اذا كان الشعر العربي الفصيح وجبة دسمة تملأ بطون الكتب بتدوين للأحداث التي مر بها تاريخ منطقتنا العربية, وتهز أخشاب المنابر بوقعها الجميل, وتسكن في ذاكرة الانسان العربي كأغنية خالدة, بينما قد يكون أحيانا وجبة من المقبلات الوجدانية والعاطفية التي تغوص في أعماق الفلسفة أحيانا والحكمة أحيانا أخرى .

فان شعر الزجل وبدون مبالغة هو زوادة الفلاح الى بستانه والمعلم الى مدرسته والراعي الى بريته , وهو مكاغاة الطفل في مهده, وودندنة الأم في سهرها , و صيحة الجندي في خندقه, وفرحة الطبيب في وأده نيران الألم, و همس الشباب في ليالي عشقهم, ومناجاة الناسك في خلوته.
وباختصار فان الشعر العامي هو صورة طبق الأصل عن أحاسيس الانسان الذي يفكر من خلالها فتكون عالمه المنطوق كلمات , وهي نفسه ,ك أنما الشعر العامي مرآة ما يجول في ردهات وجداننا من أحلام وأحاسيس وآلام وآمال وأفراح وأحزان .
يستعمل الشاعر العامي لغة الناس المحكية فتأتي كلماته سهلة كخيوط العنكبوت, قوية كسيل ماء, جميلة كأناشيد الطيور يتلقفها الكبير كما الصغير والأمي كما المتعلم .
شعر العامية اما زجل يلتزم بالقافية والوزن على نسق الشعر العمودي الفصيح, أو شعر محكي يلتزم بالايقاع أو بالتفعيلة ويسمح لنفسه بالتلاعب بالقافية وطول الجملة الشعرية.
يتميز شعر الزجل عن الشعر العمودي الفصيح بالتزامه بقافية للشطر الأول وأخرى للشطر الثاني , وان زاد هذا من صعوبته الا أن هذا التحدي يهون على الشعراء لما يحمل من جمال للقارئ وتطريب للمستمع.
امتاز سكان الريف بالشعر العامي اذ كان تسلية الأذكياء ومتعة الحكماء منهم، فتهافتوا على قوله وارتجاله في سهراتهم ومناسباتهم من أعراس وأحزان واحتفالات وبرعوا في وصف جمال الطبيعة والتغزل بحياة الضيعة كما عبروا من خلال الشعر المحكي عن حبهم للوطن والأهل وكتبوا في المرأة والحب وفي الطفولة والأمومة والعمل والدين والسياسة.
الشعراء هم ضمير الوطن وهم قادته الحقيقيون للحرية ولطالما حملوا مشعل المقاومة ضد الظلم والعدوان .يقول الشاعر محمد حسن شريم, سليل عائلة أغنت الشعر الزجلي بفطاحل شعر عبر القرن المنصرم , وابن بلدة حومين في الجنوب المحرر, هازئا من الجيش الاسرائيلي المدحور :
لما من جنوبي رحل هربان .
في ليل منو النور عامي للبصر
وينو ال هزم في قوتو العربان
وين أسطورة الجيش المقتدر
بينما يقول الشاعر الشاب شفيق ديب من قرية عين العروس في ريف اللاذقية متغنيا بمجد المقاومة :
ويا مقاومة أنتي الشرف والمجد ,
ببلاد سكنت هالدني كلا
أنتي الطهر أنتي الوفا بالعهد
أنتي الملاك بفعلك تجلا
بينما تصدح حنجرة الشاعر حسان بسطاطي ابن مشتى الحلو الشهيرة مناديا الحرية التي يحلم بها كل انسان ويتمناها كل عاقل:
ياحريي وينك ردّ ي
عم أندهلك صرلي مدّي
بلكي بيرجع صوتي ليّي
معوّد صوت الليل يودّي
....... (( ياحرّيّي وينك ردّي ))..................
شاعر بدّي أنظم فكرا
توعّينا من هاك السكرا
حتّى انمر عليّي بكرا
خلّي جبينو شعر يندّي
مش عا بر يمرق من حدّي
(( ياحريّي وينك ردّي ))
وهذا الشاعر المغترب جعفر حيدر يسكب جداول أشواقه للشام شعرا يهيم في بساتينها زهوا وافتخارا كأنه أحلام الشهداء
ولادك يا سوريا فطاحل ملهمين
حملو الوطن بقلوبهن ه المخلصين
صدرك جمعنا ولم شمل الشاعرين
جوّا الوطن وبغربتن ه القاعدين
كما يقول في قصيدة أخرى :
التحرير همزة وصل للبدو يشيل
هم الوطن ويدور فيه بألف جيل
كلما قبيل بينتهي بيطلع قبيل
وكلما جليل استشهد بينبت جليل
وكلما بطل منا بينوي ع الرحيل
لا عند ربو بيدفق علينا البديل
وكلما طلع ع الأرض شي واحد عميل
بتكتفو أشجار قانا والجليل
استمتعوا بهذه "الهمروجة" الوطنية المنطلقة من قلب مليء بالوعي الوطني, من شاعرة غنت رياح شوقها لوطنها شعرا زاخرا بالحس المرهف والشعور الجميل. تقول الشاعرة ثناء حيدر«زوجة الشاعر جعفر حيدر»:
شام العروبي ورودها وياسمينها
الإصرار ناطر عَ بواب سنينها
التاريخ ! نهرو بينبع من جبينها
وماشي تيسقي لمة بساتينها
أما حصة شعر الحب والغزل فهي كبيرة عند شعراء العامية لأن الحب الصادق يكتب حروفه على شفاه العاشقين بلون عفوية الشعر الشعبي وتلقائيته السحرية فتراه ينساب بين أضلاع العاشقين لهجة ينبض بها قلبان فيرسمان خيال روح واحدة على دفتر الاحساس . يقول الشاعر روحي طعمة ابن بلدة عيون الوادي :
سكرت باب الحب وهجرتو
ونسيت دربو وماتذكرتو
ولوين راجع ياحلو من جديد
تفتح عليي باب سكرتو
كما يقول نفس الشاعر في قصيدته المغناة بصوت الفنان الياس كرم:
كلن عنك سألوني
لما وحدي شافوني
يعني رح بتكوني وين
يابقلبي يا بعيوني
أليس هذا هو الحب الكبير? عندما لا يرى المحب حبيبته ولكنه يعلم أنها تعيش معه في ساحة قلبه أو أحلام عينيه. يقول الشاعر اللبناني أبو علي حسن بنوت في حبيبته:
قيس قبلي كان قلبو منكوي
في حب ليلى وغير ليلى ما هوي
وعنتر عبس قديش كان سيفو قوي
قدام سيف لحاظ عبلى يلتوي
واٍنتي وأنا عنا حكي الراوي وروي
وتا يضل قلبي من حنانك مرتوي
اٍسمك واٍسمي ينزلو بكتب الغرام
وعا بعضنا صفحه عا صفحه ننطوي
وهذا مايقوله الشاعر الحساس محمد شريم في وصف جميلة تتهادى أمامه كأنها "قنينة" عطر:
ماشيهِ عالأرض مشية أعتزاز
غُصُن يتمايل ومايل بالكواز
والشعر نازل متل شلال السما
والعنق يلمع متل الماسة قزاز
كيف لا تشهق الورود وترقص الموسيقى لسماع هذا الكلام الجميل المغزول بشغاف القلب و حرير الوجد ? لاحظ معي كيف تصرخ الأشواق من قلب شاعر الكفرون سامي سعادة متمنية على العصفور أن يقطف له من أمام منزل محبوبته بضعة وريقات حبق ليغمر فيها محبوبته :
ياقلب حتى تنطفي هالنار
وصي القمر قبل الندي بنوار
يقطف حبق من هالجرد بكير
ويرمي الحبق ع هالحبق بالدار
غير أن الشعر العامي لايتوقف عند المواقف الوطنية أوالمشاهد الغزلية , بل يتعداه ليكون رسالة الانسان لأهله وضيعته أيضا . فهذا منيف كنوزي من بلدة حب نمرة في الوادي يهتف مع صباح كل يوم :
يا حب نمرة زينة البلدات
و فيك جميع النّاس مبهورا
صْرتي حديث النّاس بالجلسات
و صرتي بعرف الكلّ أسطورة
كما يقول نفس الشاعر في نفس القصيدة:
اللّه اصطفاك بهالدّ ني بطلاّت
و صرتي قبال البحر غندورة
متل العروس بحمرة الوجنات
و خصلات شعر براس مضفورة
أما الشاعر بيير طنوس فينادي المغتربين من أبناء مرمريتا بالعودة قائلا:
مرمريتا بتنادي
عودو يا كل ولادي
ن شتقتوا لحضن الأم
حضنها مشتاق زيادي
وترد عليه الشاعرة ثناء حيدر:
يا مرمريتا الحب يا صوت الشجن
يا حاملي بإيدك تباشير الزمن
قلتيلنا إنّو الوطن منّو وطن
إلا بأهلو وبالمحبي الصافيي
ويكمل الشاعر الدكتور جورج حنا النداء :
يلاّ ارجعوا هالأرض نشفِت دمْعتا
هاجِم عليها الليل كونوا شمْعتا
مادام انتو ولادها, في كبرِتا
كونوا دواها واطلبولا العافيي
كما تطرق شعراء العامية للأمثال الشعبية فنظموها شعرا .
تقول الشاعرة ثناء حيدر:
اللي بدو يلعب بالنار
النار بتحرق صابيعو
الله موصي بسابع جار
الجار التامن لا تبيعو
ويقول الشاعر بيير طنوس :
ميه من العصي بدل
و متلن الكرباج المجدل
ديل الكلب لو انحط بالقالب
مية سني مارح بيتعدل
أما طبيب الأسنان جورج حنا فيقول :
مو كل مْن صَف صْواني
قالوا عنّو حْلواني
وسرّك لو جاوز شخصان
شاع وصفّى مجّاني
أما أكثر ما يميز شعر الزجل عن الشعر الفصيح فهو المباريات الشعرية التي يتبارى فيها الزجالون على المنابر متخذين من موضوع معين فكرة للحوار وتبادل الحجج فتكون مباراتهم شعلة من الحماس والتحدي للمجيء بأفضل الصور الشعرية والسبك الأدبي والاستشهاد بأمثلة تاريخية ودينية.وشعبية هذا النوع من الشعر المنبري كبيرة وتاريخه حافل ومليء بالاثارة, لذا سنخصص له حيزا خاصا في مقالة مستقلة تنشر قريبا .
بقي أن أذكر بأني ما تطرقت الى رموز الزجل الا لأني على يقين بأن شهرتهم قد ملأت الدنيا وشغلت الناس ,وكل واحد منهم بحاجة لمقالات عدة للحديث عن ميزات شعره وخصائصه ودوره في الحركة الشعرية العامية .أما شعر المحكي فسيكون لنا معه لقاء منفردا وخاصا في المستقبل انشاء الله .

the king
الدكتور اياد قحوش