بعد أن تتابع ننجال على هذا المنوال وتنتهي من تفجعها يبدأ كاتب النص بتوجيه خطاب مطول إليها:
أيتها الملكة اجعلي قلبك مثل الماء كيف تقدرين على العيش؟
أي ننجال اجعلي قلبك مثل الماء كيف تقدرين على العيش؟
أيتها السيدة البارة التي هُدمت مدينتها كيف تقدرين على البقاء؟
لقد صارت مدينتك مدينة غريبة كيف تقدرين على البقاء؟
لقد تحول بيتك إلى بيت للدموع اجعلي قلبك مثل الماء
مدينتك التي آلت إلى خراب لم تعودي سيدتها
بيتك الذي اُسلم إلى المعول لم تعودي تسكنين فيه
شعبك الذي سيق إلى الذبح قد أدار ظهره لمليكته
أور المقام المقدس راحت نهباً للرياح كيف تقدرين على البقاء؟
أغانيك تحولت إلى نواح وأنغامك صارت إلى نشيج
في طرقك التي كانت ممهدة للعربات زحفت أشواك الجبال
أي مليكتي حقاً لقد هجرتِ مدينتك حقاً لقد هجرت بيتك
فإلى متى تقفين جانباً كأنك عدو؟
ومع أنك كنت الملكة المحبوبة في مدينتك فقد هجرتها
ومع أنك كنت الملكة المحبوبة من شعبها فقد هجرت شعبك
عسى آنو ملك الآلهة ينطق قائلاً: هذا يكفي
وعسى إنليل ملك كل الديار يرسم لك قدراً طيباً
عساه يعيد مدينتك إلى مكانتها لتمارسي عليها السيادة
أيها الأب نانا لا تدع العاصفة تستقر قرب المدينة
عسى أن تُحطَّم شكيمة العاصفة تماماً
ويُغلق في وجهها الباب كما تُغلق بوابة الليل العظيم
أيها الأب نانا إن المستضعفين الذين مشوا في طريقك
يذرفون الدموع أمامك دموع البيت المقوض ويستصرخونك
والمطروحون ذوو الرؤوس السود يسجدون أمامك
أيها الأب نانا إن المدينة التي ستعود سيرتها الأولى
سوف تخطو بفخر وعزة أمامك
إن المدينة التي ستعود إلى مكانتها سوف تبجلك
على هذه الطريقة ينتهي نص مرثية مدينة أور وقد بدأت أور تنهض من كبوتها وتضمد جراحها لتعود إلى سابق عهدها كواحدة من أهم مدن وادي الرافدين الجنوبي
على الرغم من أن هذا النص يقوم على حادثة تاريخية وقعت في زمن معين ومكان معين إلا أن الكاتب قد ارتفع بالحدث من مستوى التاريخ إلى مستوى الأسطورة فهو والحالة هذه ينتمي إلى زمرة من الأساطير التاريخية. أما عن رسالة النص فواضحة كل الوضوح وهي تقول لنا إن عالمنا قائم على الصيرورة والتبدل الدائم والإنسان لا يكاد يطمئن إلى ثبات وديمومة رغده حتى يحم عليه قضاء الآلهة بغتة وهو غارق في لهوه ومتع حياته اليومية التي أَمِنَ إلى استمرارها والدول والممالك لا تقوم وتزدهر فتصل أوج عزها حتى تأتي ساعة انحدارها. إن أور لم ترتكب ذنباً واضحاً ومع ذلك قررت مشيئة الآلهة الخافية على الأفهام تدميرها وإفناء شعبها وليس على الإنسان أن يتساءل عن مشروعية القضاء والقدر.
فراس السواح (( مدخل إلى نصوص الشرق القديم))