عرض مشاركة واحدة
  #1  
قديم 15-05-2008
هالة هالة غير متواجد حالياً
عضو ذهبي
 
تاريخ التسجيل: Nov 2005
المشاركات: 487
كرامات العيش في وطني

استيقظت باكراً وأقول استيقظت على سبيل المجاز لأنّ النوم في قاموسي يرشف الحياة بغبطة السهارى ويأبى التحرّك قبل أن تشرق عمامة الضوء ...
والسبب في عدم النوم هو منزلي الذي أسكنه حالّياً ... هذا الفضاء الرحب الذي وضعت فيه كلّ ابداعات خيالي الدائرية والمثلثية والمجنحة وشبه المنحرفة طوال فترة غربتي كي أعيش على النمط الذي حلمت فيه تحت عريشة العنب فوق سطح بيتنا القديم
وطبعاً على سطح ذلك البيت لم تكن تراودني هذه الأحلام إلاّ في أوقات خاصة كان أغلبها أيام الشتاء ... فقد كان بيتنا يدلف ماء المطر من جميع الجهات .. وكانت أمي تضع الصحون هنا وهناك كي لايعوم المنزل وكثيراً ماكنت أتعثر بهذه الصحون عند كلّ استيقاظ ..كنتُ أسمعها تتمتم بحنق ... يلعن أبو هالعيشة ....حتى الله والسما غضبانين علينا ....وكنتُ أداعبها لأخفف من وطأة الحزن الذي كان يكتسح ملامحها كموت سرّي ...
ولوووووو شو صار ... اعتبري نفسك في الحمّام ... وإذا ما عندك صحون لزوم التعبئة اليدوية .. سأعطيك حذائي الوحيد اليتيم ليحلّ لك المشكلة .. كانت تضحك ويشرق وجهها كطفل وكان حزني يتسّع ويسقط ببطء نحو القاع .....
ولاحقاً وطوال سنين الغربة كنت عند كلّ هطولٍ للمطر أركض لاشعورياً نحو المطبخ لأحضر صحون التعبئة اليدوية الطائرة ..وفي منتصف الطريق كنتُ أدرك أنني لم أعد في ذلك الكوكب ...
بعد عشر سنوات دخلت منزلي الجديد الذي لم أره إلاّ من خلال الصور ... وقفت عند العتبة للحظة ... ثمّ أدرت ظهري ومضيت .. هذا ليس منزلي !!!...كنت في الطريق أعنكب قلقي ثمّ أرمي شتل الأعذار على الشرفات المالحة للغربة وبين هذا وذاك كنت أمشي على رأسي بدون ادراك للطريق ... توقفت ... الى أين أمضي ...؟!!!
لم أكن أعي حركاتي ... وكانت الأسئلة كبقع الدم المتخثرة .. تقبع بلا أجوبة على سطح بلا ضماد ...
هل كان للربيع خيار آخر غير الاحتراق .... ؟؟؟
هل كان للنوارس درباً آخر غير مدن الثلج ...؟؟
كنت أحتاج الى صفعة تعفيني من تسرّب حقيقة موجعة ككسرة زجاج تجزّ اللحم النابض
هل كنتُ أهتف للحياة بوهم معتّق ...؟
وهل.كنت أتكئ على عصا ينخرها الدود ؟
في كلّ لحظاتي كنتُ أسمع عويل أغصاني الطرية وأصمّ أذني ...
كنت أمشي بنصف ملئ ونصف فارغ ...
نصف أخرق يجزّ تواقيت العمر في انتظار لحظة الوصول ...
ونصف ملئ يعبر الوهم بدموع عصيّة على الانحدار ...
بخس هذالثمن !!!!!!!
هذا الداخل الذي أصبح مسكوناً بالدخان والرماد ..
كان ثمناً لفراش وثير في خريف العمر وسقفاً ... لايدلف ماء المطر ...
.
.
على عتبة الدار .. فتحت لي أمي ذراعيها ...
استلقيت في حضنها واختصرت أرق كل السنوات بغفوة كانت تساوي دهراً
وعندما استيقظت ... فتحت التلفاز ..
كان على القناة السورية مذيع يفتح فمه المتآكل كسمكة ميتة ...ويعلن :
صرّح وزير الاقتصاد ( وبكلّ صفاقة ) بعد جولة على الأفران بأن مادة الخبز متوفرة وبكثرة
ويستطيع أيّ مواطن الحصول عليها وفي أيّ وقت ...
عندها أدركت عمق الخسارة ...
لقد سقط العمر سهواً من جبته ..
يهرق رعشاته النابضة ...
كرمى هطلٍ ..
كرمى خبزٍ ..
كرمى كرامة ..

.

التعديل الأخير تم بواسطة : هالة بتاريخ 15-05-2008 الساعة 06:57 AM.
رد مع اقتباس