إن استعراض الخصائص والصفات التي عزَتها الصلوات والتراتيل كلّ منها إلى إلهها المعني يُظهِر مدى تشابه التعابير والمصطلحات والأوصاف التي استخدمتها في مخاطبة ذلك الإله ..
ولما كان من المستحيل على كل الآلهة الرئيسية أن تمتلك معاً هذه الخصائص والصفات، فإن فكرة مجمع الآلهة تنحلّ في الواقع إلى مفهوم عام وفضفاض لا يملك تأثيراً فعلياً في الحياة الدينية على المستوى العام والشامل.
إذ ماذا يبقى من فكرة المجمع إذا كان كل عضو فيه هو الأعلى مكانة وإذا كان أعضاؤه يقبِّلون الأرض تحت أقدام هذا الإله تارة وأمام ذاك تارة أخرى؟ وما الذي يبقى أيضاً من مفهوم رئيس المجمع الذي هو ( آن ) عند السومريين و ( آنو ) عند الأكاديين إذا كانت كل صلاة تخاطب الإله المعني باسم آن أو آنو؟ لقد خاطبت الصلاة المرفوعة إلى سِنْ الإله
بقولها: "أنت آنو السماء ومشيئتك الخافية لا يعرفها أحد."
وخاطبت الصلاة المرفوعة إلى إنانا إلهتها بقولها: "أنت أعظم من كبير الآلهة آن."
وهذا يعني أن فكرة رئيس مجمع الآلهة لم تؤخذ على محمل الجد مثلما لم تؤخذ فكرة تعدُّد الآلهة على محمل الجد أيضاً وأن أهل كل عبادة كانوا يرون في إلههم رئيساً لذلك المجمع. وبذلك يتم تفريغ ما يدعى بـ"الوثنية" من مضامينها التي خلقتها أفكارنا اللاحقة عنها.
إن ما يبدو لنا بوضوح ونحن نلقي هذه النظرة العلمية الحيادية على معتقدات الشرق القديم هو أن هذه المعتقدات قد طوَّرت منذ فجر التاريخ مفهوماً مجرَّداً عن الألوهة المطلقة المنزَّهة التي لا يحدُّها إطار ولا تتجسَّد في شكل أو هيئة. وبما أنه لابدّ للإنسان في تعامله مع فكرة الألوهة من وسيط يلخِّصها في عقله ويُمَوْضِع تجربته الداخلية معها في الخارج، فقد ابتكر مفهوم ( الإله الأعلى ) الذي خلق نفسه بنفسه وخلق السماوات والأرض وكل نفس حيّة وخلق بقية الآلهة وأوكل إليهم مهمَّات ومجالات فعل ونشاط. لقد ارتبطت فكرة الألوهة بالسماء نظراً لما توحيه القبّة الزرقاء من إحساس بالاتّساع واللانهاية وتجاوز الحدود والأطُر. ثم تجسَّدت في إله أعلى هو إله السماء ورئيس لمجمع الأرباب. إلا أنها بقيت في ضمير الإنسان بمثابة البعد غير المرئي للوجود والقاع الكلي الذي يقوم عليه عالم المظاهر المرئية ويستمد منه كيانه وصيرورته.
إن الإله ( آنو ) أو ( إيل ) أو ( رع ) هو فكرة مجردة تحوَّلت إلى إله على هذه الدرجة من التشخيص أو تلك. وكان كل إله من آلهة العبادات المختلفة يعتبر بمثابة ( آنو العظيم ) ويُعبَد على أنه الألوهة المطلقة وقد تجسَّدت في شخصية إلهية من شأنها جعل (( المطلق قريباً وحاضراً بين الناس بؤرة يلتقي عندها المتناهي باللامتناهي )) وعالم (( اللاهوت بعالم الناسوت ))
وبما أن ثقافات الشرق القديم قد بقيت حتى فتراتها المتأخرة تعبِّر عن حكمتها من خلال الميثولوجيا لا من خلال المفاهيم العقلية والمصطلحات الفلسفية القائمة على التأمُّل المنهجي فإن معتقداتها الدينية بقيت مغلَّفة بغلافات كثيفة من التصورات الميثولوجية التي تحجب جوهرها وحقيقتها وهذا ما يفرض على دارسها مزيداً من الانفتاح وسعة الأفق والتخلي عن الأفكار المسبقة والمغلوطة عن "الوثنية" باعتبارها جاهلية التاريخ الديني للإنسان.