عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 08-01-2008
راجح راجح غير متواجد حالياً
شو
من مواضيعه :
0 حكايات قبل النوم
0 رجع غول القصيد
0 خضّه ..للذين يتحسسون من اسم راجح ..لاتدخلو
0 كسارة البندق
0 "مَهرجان دَيـر القلعة"
تاريخ التسجيل: Feb 2005
المشاركات: 407
راجح is on a distinguished road
إرسال رسالة عبر مراسل AIM إلى راجح

[size=5]إفتتاحيَّة الزغلول:7

تُعتبَرُ افتتاحيَّة الزغلول في بيت مِري من أروع وأبلغ ما قيل في الشِعر العامِّيّ على الإطلاق. وهذه القصيدة، منذ لحظة غنائها، صارت مضربَ المثل. وقد حفظَها الآلاف من عُشَّاق الزجَل ممَّن حضروا الحفلة أو هُم لم يحضروها. وغالبًا ما يُطلَبُ إلى الزغلول إعادة مَطلعها، في أيِّ لقاء أو مُقابلة معه عبرَ شاشة التلفزيون أو على الراديو، ومَهما كانت المُناسبة. وأنا واحدٌ من الكثيرين الذين غادروا الحفلة وهُم يُردِّدون افتتاحيَّة الزغلول. فقد حفظتُها عن ظَهر قلب لحظة غنَّاها، كما إنّي، ليلتَها، حفظتُ مُعظم افتتاحيَّة موسى، إضافةً إلى الحِوار الذي جَرى بينهما في آخر الحفلة.

كعادته، عرفَ الزغلول في تلك الليلة، كيف يستغلُّ الظروفَ الصعبة التي كان يمرُّ بها، وكيف يخلع حزنَه على جميع الحاضرين، فيجعلهم شركاءَه في المُصيبة التي ألمـَّت به، والتي جعلَت من حفلة بيت مِري مُناسبة تاريخيَّة. فجاء شِعرُه يومها تأريخًا يُدوِّن حَدثًا لا يزال محفورًا في ذاكرتنا حتَّى الآن.

بعد (الأُوف) المُجلجلة الحزينة التي بدأَ بها الزغلول قجاءت معزوفـةَ أسىً ورنَّةَ "آخ" عميقة مُعبِّرة في آنٍ واحد عن الفجيعة التي نزلَت به ومُظهرةً استياءَه من كلام موسى الجارح، شاءَ الزغلول أن يُخاطب "حروف الأبجديَّة" بدَلاً من مُخاطبة الجمهور مُباشرةً كما فَعل موسى. يعتذرُ الزغلول من الحروف والقوافي، من الشِعر عامَّةً، إن هو لم يتمكَّن، الليلةَ هذه، من أن يُعطيَ أفضل ما عندَه من شِعر، وإن لم يستطع أن يقومَ بواجبه، على عادته، في مُناسبة كهذه مُخصَّصة للتحدِّي وإظهار البراعَة والموهبة. وكأنـِّي به يُريد أن يُفهِمَ الناس أمرَين مُهمَّين: أوَّلاً، الاعتذار عن تأخُّره بالحضور إلى بيت مِري، وثانيًا، في حال أنـَّه عجزَ عن تفجير ينابيع غضبه وعطائه ومُبادلة موسى الكَيل كَيلَين، فليفهم الناس ظروفَه ويعذروه إذا هو لم يُحلِّق، كعادته، فوق النجوم مُصطادًا أروعَ القوافي وأبلغَ الشِعر. وهذا لَعمري جريٌ على عادةِ كبار الشُعراء أمثال كولردج وجبران وغيرهما من الذين، لحظةَ اشتكَوا من جفاف القريحة ورحيل الموهبة، أتحفونا بأبلغ ما جادت به عبقريَّتُهم من عطاء. وهكذا الزغلول، يُنبِّهنا إلى أنَّ ما سيتمكَّن من تقديمه الليلة، ربَّما كان أقلَّ ممَّا ننتظرهُ منه. ويشرح لنا السبب:

أعذريني يا حروف الأبجديِّي

إذا ما قمت بالواجب عليِّي

خسِرتْ خَيِّي اللي مفضَّل عا ولادي

وعليِّي مثل إمِّي ومثل بيِّي

خمس ساعات صارلو مش زيادي

ما حَلُّو يبتدي النسيان فيِّي

بعَزا خَيِّي رجِعت عزِّي فؤادي

لأنـِّي بعتِبِر كلّ شخص منكم

بعد ما غاب خَيِّي محلّ خَيِّي.8

أَثار الزغلول عاملَ الوقت هنا، وهو مُهمٌّ جدًّا، فإذا كان الوقت كفيلاً بتبديد أثر المُصيبة مع مرور الأيـَّام، فمصيبة شاعرنا بنتُ ساعتها، وعاملُ النسيان لم يأخذ مَجراه بعد. يلتفتُ الشاعر إلى الجمهور مُستلهمًا اللحظة، مُؤكِّدًا أنَّ عزاءه لن يكون الزمن والنسيان، بل إنَّ ما سيُعزِّي فؤادَه هو علاقته الحميمة بأنصاره ومُحبّي شِعره. فإذا كان موسى قد قال "أنا إنتو" وسكت، فإنَّ الزغلول يُضيفُ مُلحًّا على أنَّ كلَّ واحدٍ منَّا -نحن المحبِّين لفنِّه، نحن الحضور والغيَّاب- الذين من أجلنا طوى حزنَه وجاء الحفلة مُغنِّـيًا فينا كي لا يُخيِّب ظنَّنا فيه، جميعنا إخوته، وكلُّنا فردًا وجماعةً محلَّ أخيه. هذا ما يُشجِّعه على الاستمرار وما يملأ صدرَه بالعزاء. وأنا لا أُغالي إذا قلتُ إنِّي قَلَّما التقيتُ بلبنانيّ لم يحفظ هذا المَطلع الزغلوليِّ العاطفيّ. فبمجرَّد أن تذكرَ حفلة بيت مِري أو لقاءَ القلعة حتَّى يُجيبَك السامِع مُردِّدًا: "أعذريني يا حروف الأبجديَّة"، فباتَ هذا المطلع على كلِّ شفةٍ ولسان.

تتأَلَّف افتتاحيَّةُ الزغلول من 46 بيتًا موزَّعةً على ستَّة مقاطع، كلٌّ منها ينتهي بشطرٍ مُتناغم في قافيته مع البيت السابق. لكنَّ هذه الافتتاحيَّة، على رغم قِصَرِها مُقارنة مع افتتاحيَّة موسى، تصبُّ كلّها في قالبٍ واحد وتنسجمُ مع موضوعٍ واحد مؤلِّفةً وحدةً عُضويَّة كاملة مُتكاملة تُعتَبرُ جوابًا قاطِعًا ومُباشرًا لما تقدَّم به موسى. فالزغلول لم يشعر أنـَّه بحاجةٍ لمُقدِّمةٍ تاريخيَّة للزجَل ولا إلى تمهيدٍ فرديّ كالذي اعتزمه موسى للتعريف بنفسه وبجوقته؛ فجاء قصيدُ الزغلول شعرًا خالصًا يتفجَّر كالبركان ويقصف كالرعدِ آنًا، وآونةً أُخرى سَلِسًا مُكتسيًا بالطراوة والليونة والانسياب الهادئ، ممزوجًا بالفَخر والاعتزاز وإن كان مُغلَّفًا بالغضب.

يعتبرُ الزغلول نفسَه سيِّد الموقف. هو صاحبُ البيت والمالكُ الشرعيّ لعمارة الشِعر، يُدافعُ عن بيته وتاجه ضدَّ هجومٍ بربريٍّ يشنُّه شاعرٌ تجنَّى على الشِعرِ وعلى أهله، انتحلَ "اسمًا مُستعارًا" وراح يُحاول أن يسطوَ على مملكة الزجل بهدم أسوار الحصن الذي بناهُ الزغلول، كي يتوِّج نفسه مَلكًا مكانه.

يُمهِّدُ الزغلول للمقطع الثاني بتوجيه كلامه مُباشرةً إلى قلعة بيت مِري. فهو في المطلع، خاطبَ حروف الأبجديَّة واعتذر لها، وفي المقطع الثالث يفتتح بكلام مُسدّد إلى العام (الواحد وسبعين)، تاريخ حدوث الحفلة، فيُخلِّد تلك السنة، فتصبح أشهرَ من سني الحرب، يعلقُ تاريخُها في ذاكرة كلِّ واحدٍ منـَّا فنعود لا ننسى متى جرت وأين.

قلعة بيت مِري، وإن كانت تجهلُ مَن هو خصمُ الزغلول هذه الليلة، فهي حتمًا لا تجهل الزغلول. تعرفهُ القلعة تمامًا ويدركُ ديرُها مَن هو الزغلول. هو ابنها البارّ الذي نشأ وترعرعَ في حِماها. شاعرنا هو ربيبُ المتن، هو ابنُ جبل لبنان الحبيب، وليس غريبًا مثل (موسى الكسروانيّ)، الدخيلِ على الجبل والمتن والقلعة. فالزغلول، وإن كان والدُه من الدامور وأمُّه من عاريَّا، هو ابنُ المتن. وُلدَ في البوشريَّة-الجدَيدة، ودرسَ في جدَيدة المتن، وكان أستاذاهُ من الفنار ومن رومية المتن.

ويا قلعة بيت مِري ما بتجهليني

أنا ابنك وإنتِ بتعرفيني

حَمَلني والدي من الشوف خلعة

ونقَلني من مَديني عا مديني

خلقت بجدَيدتك وطلِعْت طلعة

تا شِفت الشمس أوطى من جبيني

ومن الشعّار كم شلعة بشلعة

مشوا خواريف عا شمالي ويميني

والزغلول صاحبُ مدرسة، وهو بحقٍّ رائدٌ ومجدِّدٌ ومُطوِّر؛ ومع الشحرور وروكز، يُعتبَرُ أوَّلَ مَن أرسى دعائمَ المسرح وشكَّل أُولى الجوقات الزجليَّة. الزغلول لم يُغنِّ تحت لواء أحد، ولم ينضمَّ إلى جوقة أحد. هو الوحيد الذي غنَّى في جوقه الخاصّ، وكلُّ الشُعراءِ الذين غنَّوا معه هُم الذين انضمُّوا إليه وجلسوا تحتَ رايـتِه. منذ بداياته كان رئيسَ الجَوقة، جوقة الزغلول، ولا يزال. كان دائمًا مَتبوعًا وهو لم يتبع أحدًا.

ويُخاطب شاعرُنا مُجدَّدًا قلعة بيت مِري التي هي حصنُه ومملكتُه قائلاً: إنَّها لو مدَّت موسى بالعَون، وأعطت "الشاعر الدخيل" الظمآن للنصر، الخصمَ الذي تجرَّأ وتحدَّى البطلَ في عقر داره، وأغضب "الأسد" في عرينه، لو أعطته ألف جرعة وجرعة، فالزغلول لن يدَعَه يروي غليلَه ويشنُّ هجومَه، لأنَّه سيُطلق صوتَه زئيرًا مُدوِّيـًا من قلعة ذاته إلى قلعة الدير، وسيُفجِّر غضبَه كالقنبلة التي فجَّهرها الطيَّار الأمريكيُّ قبله فوق هيروشيما الحزينة، فلا يبقى شيء في سماء موسى ولا في كرومه، فتستحيل إلى أرضٍ يباب بلقع. كلُّ ما تقدَّم بهِ موسى سابقًا لن يُفيد فهو سرابٌ بسراب.

هذا لا يعني أنَّ الزغلول، صاحبَ البيت، لا يُرحِّب بضيوفه. العكس هو الصحيح. الزغلول مِضيافٌ جواد، لا يتأخَّر عن نَحرِ ناقته الوحيدة لإطعام ضَيفه أيـًّا كان هذا الضيف، حتَّى لو كان عدوًّا. الزغلول فخورٌ بداره في الدامور كما هو يعتـزُّ بمنزله في المتن. وإن كان قد تنازلَ عن حقِّه مرَّة في المُشرِف، تكريمًا لضيفه، فسمحَ لموسى بكلمة الختام في الحفلة آنذاك، فهو الآن لن يُعيدَ الكرَّة، لأنَّ المؤمن لا يُلدَغُ من الجحر مرَّتين. فلقاءُ اليوم هو "المعركة الفاصلة" حيثُ سيقضي الزغلول على خصمه قضاءً تامـًّا:

مشْ رَح منِنْهي معركتنا الفاصلي

تا شوف روحَك فاصلي وكلّ شي انتهى

في حفلة المشرِف أكرم الشاعر ضيفَه أبلغ إكرام، ولكنَّ الضيفَ لم يكن أهلاً الضيافة، فشرب من البئر ورمى فيه حجرًا. لذلك يؤكِّد الزغلول أنَّه، الليلة، سيُلقِّنُ موسى درسًا في أصول الضيافة قبل أن يُرديَه:

المشرِف يا موسى كان إلي فيها صدى

وضيفي كنت إنت وأنا لضيفي فدى

بتقدر عا بيتي تزورني اليوم وغَدا

بعملَّك من القلب ترويقا وغَدا

لكنْ بحفلة بيت مِري سهام الردى

بدها تصيبك قد ما يطول المدى.

في المقطع الثالث يتوجَّه الزغلول إلى السنة الحادية والسبعين يسألها أن تكون الحَكَمَ والشاهدَ على دمار ما جناهُ موسى حتَّى الآن، ويطلب من التاريخ أن يكونَ الحدَّ الفاصل بين (القساوة) التي اعتنـقَها موسى مبدأً له و(الليونة) والطراوة والعذوبة التي نُعِتَ بها الزغلول وقبِلَها رمزًا لموقفه وشعارًا له. يطلب الزغلول من هذه السنة أن تكون عاطفيَّة وحنونًا مثله، كالأمِّ المُرضِع، فتسهر مع الشاعر وأصدقائه على جوقة المرحوم خليل روكز، تُهدهد سريرهم، وتمدُّهم بالقوت والمؤنة؛ فهم الأطفال اليتامى التائهون الذين باتوا بحاجة إلى الإرشاد للبقاء على الصراط المُستقيم بعد رحيل قائدهم ومُرشدهم الذي كان قد شملَهم بعطفه ورعايته.

يقول الزغلول لموسى إنـَّه بعد أن كان (المشرِف) قد جمعهم في لقاء سابق، فأعطى الزغلول وصحبُه أطفالَ جوقة موسى اليتامى زادًا ومُؤنة كَفَتهم لمدَّة عشرة أشهرٍ خَلت، يبدو أنَّ الوقت قد حانَ لمدِّهم بزادٍ طازجٍ جديد؛ فالمؤونة قد نفدَت، وها هي بيادر موسى ورفاقِه قد أمحلَت، وجاع الأطفالُ اليتامى مُجدَّدًا، فجاءوا الزغلول طالبين تزويدَهم بمادَّة جديدة وشِعرٍ جديد. ويُضيف الزغلول: أبشِرْ، يا موسى، ها نحن قد عُدنا. ما عليكم إلاَّ أن "تطلبوا فتجدوا،" وأن "تقرعوا فيُفتَح لكم." أنا هنا لأنـَّكم طلبتموني ثانيةً. فأنا الطريقُ إلى مملكةِ الشِعر، وأنا الشَاعرُ الحقُّ وأنا شاعرُ الحياة. وليس من أحدٍ يدخلُ ملكوتَ الزجَل إلاَّ بي. جئتُكم مُلبِّيـًا دعوتكم، أيـُّها اليتامى! أيـُّها الأطفالُ القاصرون، الذين كان من الأَولى لكم أن تأكلوا وتشبعوا وتناموا بدلَ أن تطلبوني إلى حفلةِ تحدٍّ جديدة، وأنتم لستم أهلاً للنِّـزال، وأكفرُ من أن أغفرَ لكم هذا الذنب الجديد. نحن (أي هو وجوقه)، يقول الزغلول، نريدُ أن تشبعوا مِمَّا رزقناكم. فنحن قد شبعنا قبلكم وأبصرَت عيونُنا النورَ الأبديّ. كُلوا وأنفقوا من طيِّبات ما أعطيناكم في المشرِف وما سنجود به عليكم الآن. هذا من فضلنا وسخائنا. حَرِيٌّ بكم بعد ذلك أن تلبسوا مجدَنا تاجًا على رؤوسكم، أن ترتدونا، نحن أولياءَ الشِعر، نحن عذارى الوحي والارتجال، نحن الذين تمرَّدنا على الشهوات وعلى ضعف الجسد الترابيّ، وشمخنا بالروحِ الخالدة إلى أعلى الدرجات؛ نحن الذين كنَّا في البَدء كلمةَ الشِعر، والكلمة كانت الحق،ّ والكلمة كانت الجوهر. من الأفضل لكم أن ترتدونا "أيقوناتِ" طهارة على صدوركم، وأن تُعلِّقوا رسمَ كلٍّ منَّا -الزغلول وأفراد جوقته- أيقونةً في أعناقكم تردُّ عنكم الحسدَ والشرّ، وتُبعدُ عنكم أذى إصابة العَين، أيقونةً تستعيذون بها عمَّا سيُصيبكم الليلةَ من بَلاءٍ لو تماديتم في غيِّكم. أنتم الفقراء الضعفاء ما عليكم إلاَّ أن تحصدوا. فنحن كرامةً لكم ولوالدكم المرحوم، وتلبيةً لجوعكم الصارخ قد حَرثنا كرومَ الشِعر، وبذرنا بذارَ الزجَل، وروَينا تُرابَ الارتجال بعرقِ جباهنا ونضالنا. أنتم أيـُّها الكافرون، يا قليلي الإيمان، قد عشتم معي وعاينتم في الشِعر وعلى المِنبر عجائبي، وعرفتم أنـَّني الشَاعرُ المنتَظر. لكن تغلَّبَ فيكم ضعفُ الإيمان والخوف، وغلبَتكم خطيئةُ الكبرياء، فصرتم جميعُكم (بطرس) الذي اعترفَ بالمُعلِّم سِرًّا وأكلَ على مائدته، ثمَّ عادَ فأنكرَه ثلاث مرَّات قبل صياح الديك. فإذا كان هذا موقفُ بطرس الرسول من "السيِّد"، فما بالي أُعاتبُكم وأنتم الأطفالُ اليتامى؟ أنتم الجاهلون الجاحدون؟

اعتَدتوا تاكلوني بليل أعمى

وعلى صياح الديوك بتنكروني.

في المقطع الرابع، يعود الزغلول بالذاكرة إلى حفلة المشرِف السابقة، فيُذكِّرنا بأنـَّه إذا كان قد سمحَ لموسى بأن يختتمَ الحفلة بقصيدةٍ أخيرة، فهذا ليس بالأمر الغريب. فالزغلول قد فعلَ ذلك عن وَعيٍ وقناعة، وكان موقفُه وليدَ شعورٍ بالرأفة والرحمة. فهو قد تنازل عن حقِّه وسمح لموسى بكلمةِ الختام لسببَين: أوَّلاً، لأنَّ موسى كان ضيفَه، وثانيًا، كي يُساعدَ موسى على التخلُّص من الشعور بالدونيَّة، هذه العُقدة النفسيَّة التي حاول الزغلول أن يشفيَ ضيفَه منها. لكنَّ المُحزِنَ أنَّ موسى استغلَّ الظرف وراحَ يصفُّ المعاني على مزاجِه، ويُطلق الكلام على عواهنهِ دون مُراعاةٍ لحقِّ الضيافةِ وأُصول الكرَم الذي مَنَّ عليه الزغلول به. وعندما اقتربَت الحفلة من نهايتها، والتفَت الُمضيفُ فشاهد ضيفَه "كالطفلة الوحيدة" المُدلَّعة المِغناج "تُدَبدب" على المسرح، تسرح وتمرح مزهوَّةً بنفسها، تستجدي عطفَ السامعين، التهبَت في صدره عاطفةُ الحنان والأبوَّة، فعصَرَ قلبَه شرابًا في كأس الشفقة، وأعطى الطفلة اليتيمة لتشربَ فتروي ظمأها؛ وهكذا تغلَّب على شعوره بالغضب، وتمنَّع عن إسقاط "الطريدة" الطريَّة العود، بعد أن تبيَّن له أنَّ قيمةَ الطريدة أقلُّ من ثمن الرصاصة التي لو أطلقها لَنالَ بسهولة من الطفلة الوحيدة. بعد هذا الإحسان لا يُخفي الزغلولُ شعورَه بالخيبة. فبدلَ أن يشكرَه موسى ويُقدِّر عملَه وعاطفتَه، راحَ ينفشُ ريشَهُ ويتعَالى حاسبًا نفسَه نسرًا جبَّارًا وهو العصفورُ الصغير القاصِر؛ هو "أبو الِحنّ" ذو الجناح الأحمر النبيذيّ، صعلوكُ العصافير. وعوضًا عن أن يُمنِّيَ نفسَه بالخلاص ويشكرَ الحظَّ وعاطفةَ الزغلول وحنانَه، دأبَ يشمخُ "ويُعرِّم" على أطفال فرقتِه اليتامى مثله مَزهوًّا بذاته، وكأنـَّه مُطرِبٌ "بأيـَّام الحصيدي." إنـَّه "الجيز"، جيز الحصاد، وقريبُ الجرادة، جرادةِ المحْل والشؤم، هذه الحشرة التافهة التي تمضي أيـَّام الصيف ولياليه الجميلة بين النوم والتصويت؛ جرادةُ الكسلِ وقلَّة النشاط التي لا تُفكِّرُ بالمستقبل الآتي فتُبدِّدُ اللحظة في قتل الوقت، لتعودَ وتبكي حظَّها في الشتاء حين يُهدِّدُها شبحُ الجوع. فهي قد صرفَت أيـَّام الحصادِ على بَيدر الكسل، وجاعت في الشتاءِ لأنَّ بيتَها خالٍ من الحبوب، فراحت تستجدي عطفَ النملة التي جمعَت وخَزَّنت لأيـَّام الشتاء الطويلة.

ويُقسِمُ الزغلول مُشهِدًا الحضور على ما سيفعلُه بموسى المغرور:

وتا يتخلَّص من غرورو دعيتو

عا هالحفلة، عا هالعركة الجديدي

شهَدوا عليِّي وعا هالحَكي الحكيتو

عا إيدي تحرَم دفوف المعنَّى

إذا ما ببوِّس المغرور إيدي.

وهذا، لَعمري، وعدٌ حاسمٌ قطعَه الزغلول على نفسه أمام آلاف الحاضرين. وكان بارًّا بالوعد وعلى مُستوى القَسَم. فعاد، في آخر الحفلة، وقدَّم يدَهُ لموسى ليُقبِّلها مُذكِّرًا إيـَّاه بأنـَّه الوالِد المفروض احترامهُ وإجلالُه، ليس والد موسى فحسب، بل والد مَن سبقَ موسى إلى المِنبر أيضًا، وبأنَّ موتَ الزغلول سيُعتبرُ خسارةً فادحةً لا تُعوَّض ليس في لبنان المُقيم فقط، بل في أرجاء لبنان المُغترِب أيضًا.

يتوجَّه الزغلول في المقطع الخامس إلى أنصار الشِعر ومُحبِّيه طالبًا منهم أن يؤيِّدوا موسى ويُشجِّعوه علَّه يتخلَّص من عقدة الدونيَّة التي لازمَته منذ بداياته. فالزغلول قد شبَّ واكتسى بالخبرة والثقة بالنفس، بينما لا يزال موسى طريَّ العود بحاجة إلى المديح والإطراء:

ويا أنصار الزجَل والعبقريِّي

ضروري تناصروا موسى عليِّي

لأنـَّو بعد بدُّو كتير يطلَع

تا يوصل للسماوات العليِّه

ضروري تزقّفوا لكلّ مطلع

ضروري يشوف جنبو الأكثريَّه

ضروري عا عيونو الضَوّ يطلع

صلاة الصبح أفضل من عشيِّه.

أمَّا بالنسبة للزغلول، فساعتُه لم تأتِ بعد. إنـَّه ينتظرُ "خمير الشِعر" ليرفخ، أو "خليل الشِعر" لَيعود، كي يُقال إنـَّه تبارى مع فارسٍ من مستواه. فالزغلول الصائم المُتعبِّد لم يَصُم طوال هذا الوقت كي يفطرَ على هذه (اللقمة الطريَّة)، كي يُنازلَ هذا الشاعرَ الطريَّ العود الذي لن يروي غليلَه، ولن يليقَ بطعام السحور للصائم. إضافةً إلى هذا، فإن احتدَّت الأمور وفاض غضبُ الزغلول، فثار غيظُه على موسى، فهو لن يتمنَّع حينذاك من هَدم (طور موسى) على بلدة حراجل، مسقط رأس موسى، فيطمره تحت رُكامها، ولن يتأخَّر بإنهاء القضيَّة الفلسطينيَّة التي قد أشارَ إليها موسى سابقًا. سيُنهي الزغلول القضيَّة قبل (غونار يارينغ) وجولاته المكُّوكيَّة. وكان يارينغ آنذاك الأمين العامّ للأُمم المتَّحدة.

في المقطع السادس والأخير، يلتفت الزغلول إلى موسى مُجَدَّدًا، فيُوضِّح له الظروفَ التي خدمَتهُ وهيَّأت له فرصةَ الجلوس بقرب الزغلول والغناء معه. يؤكِّد الزغلول لخصمهِ، كما للحاضرين، أنَّ لقاءَ الليلة ليس عائدًا إلى عبقريَّة موسى وشاعريَّته بقدر ما هو لعبة الحظِّ الذي ابتسم لموسى. فمن حُسن حظِّ موسى أوَّلاً، أنَّ "النسر" الذي بنى له ولإخوته الصغار وكرًا (يقصد الزغلول خليل روكز، مُؤسِّس جوقة موسى أصلاً)، هذا النسرُ قد مات، وموتُه أوجد فراغًا شغلَه موسى. لذلك هو الآن في المركز الذي سمحَ له بالجلوس قرب الزغلول كرئيس للجوق. ومن نصيب موسى أيضًا أنـَّه لم يلتقِ الزغلول في ظروفٍ أُخرى، إذ الزغلول الآن في حالةٍ نفسيَّةٍ وعاطفيَّة هشَّة، بسبب هذا الحزن الذي نال منه وشتَّتَ أفكارَه، لأنـَّه فقدَ شقيقَه ليلةَ أمس:

يا موسى الحظّ قدَّملَك هدايا

وبنى لك بَيت عا لأربع زوايا

نصيبك مات نسر الأوَّلاني

الكَساكُن عند ما كنتو عرايا

ونصيبك ما التقينا بَجَوّ تاني

تا تحتَكّ الشظايا بالشظايا

ونصيبك بعد ما فِضْيو القناني

لقيتك من بقاياهن بقايا.

ومَن تُراه، بعد ذلك، يهتمُّ بالنفايات؟
size]
رد مع اقتباس