-2-إنني أشعر حتى اليوم بنوع من الإكتفاء الذاتي يجعل التسكع على أرصفة الشوارع و اصطياد الذباب في المقاهي المكتظة بالرجال عملا ترفضه طبيعتي.
و إذا كان نصف أدباء العالم قد تخرج من أكاديمية المقاهي.. فإنني لم أكن من متخرجيها.
لقد كنت أؤمن أن العمل الأدبي عمل من أعمال العبادة... له طقوسه و مراسمه و طهارته.... و كان من الصعب عليّ أن أفهم كيف يمكن أن يخرج الأدب الجادّ من نرابيش النراجيل... و طقطقة أحجار النرد..
طفولتي قضيتها تحت مظلّة الفي و الرطوبة التي هي بيتنا العتيق في مئذنة الشحم.
كان هذا البيت هو نهاية حدود العالم عندي... كان الصديق, و الواحة.. و المشتى... و المصيف..
أستطيع الآن... أن أغمض عيني و أعد مسامير أبوابه... و أستعيد آيات القرآن المحفورة على خشب قاعاته.
أستطيع الآن أن أعدّ بلاطاته واحدة..واحدة.. و أسماك بركته واحدة..واحدة.. و سلالمه الرخاميّة درجة..درجة..
أستطيع أن أغمض عيني و أستعيد بعد ثلاثين سنة مجلس أبي في صحن الدار و أمامه فنجان قهوته و منقله و علبة تبغه و جريدته.. و على صفحات الجريدة تساقط كلّ خمس دقائق زهرة ياسمين بيضاء.. كأنها رسالة حبّ قادمة من السماء..
على السجادة الفارسيّة الممدودة على بلاط الدار ذاكرت دروسي و كتبت فروضي و حفظت قصائد عمر بن كلثوم و زهير و النابغة الذبياني و طرفة بن العبد..
هذا البيت-المظلة ترك بصماته واضحة على شعري. تماماً كما تركت غرناطة و قرطبة و إشبيليا بصماتها على الشعر الأندلسي.
القصيدة العربية عندما وصلت إلى إسبانيا كانت مغطاة بقشرة كثيفة من الغبار الصحراوي.. و حين دخلت منطقة الماء و البرودة في جبال سييرا نيفادا و شواطئ نهر الوادي الكبير..
و تغلغلت في بساتين الزيتون و كروم العنب في سهول قرطبة خلعت ملابسها و ألقت نفسها في الماء.. و من هذا الإصطدام التاريخي بين الظمأ و الري..ولد الشعر الأندلسي..
هذا هو تفسيري الوحيد لهذا الإنقلاب الجذريّ في القصيدة العربية حين سافرت إلى إسبانيا في القرن السابع.
إنها بكل بساطة دخلت إلى قاعة مكيفة الهواء..
و الموشحات الأندلسية ليست سوى قصائد مكيفة الهواء..
و كما حدث للقصيدة العربية في إسبانيا حدث لي... امتلأت طفولتي رطوبة و امتلأت دفاتري رطوبة, و امتلأت أبجديتي رطوبة..
هذه اللغة الشامية التي تتغلغل في مفاصل كلماتي تعلمتها في البيت-المظلة الذي حدثتكم عنه..
و لقد سافرت كثيرا بعد ذلك و ابتعدت عن دمشق موظفا في السلك الدبلوماسي نحو عشرين عاما و تعلمت لغاتا كثيرة أخرى .. إلا أن أبجديتي الدمشقية ظلت متمسكة بأصابعي و حنجرتي و ثيابي. و ظللت ذلك الطفل الذي يحمل في حقيبته كل ما في أحواض دمشق من نعناعٍ و فل و ورد بلدي..
إلى كل فنادق العالم التي دخلتها..حملت معي دمشق و نمت معها على سرير واحد.
....
[