
02-04-2007
|
 | زوبعة | | تاريخ التسجيل: Jul 2005
المشاركات: 1,128
| |
قاطف الدرر الشاعر أنهل الدبس !! اقتباس: |
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة انهل دبس
العبودية إنما الناس عبيد الحياة ... وهي العبودية التي تجعل أيامهم مكتنفة بالذل والهوان ... ولياليهم مغمورة بالدماء والدموع ... وقد اتبعتُ الإنسان من بابل إلى باريس ... ومن نينوى إلى نيويورك ... ورأيتُ آثار قيوده مطبوعة ً على الرمال بجانب آثار أقدامه ... وسمعتُ الأودية والغابات تردد صدى نواح الأجيال والقرون ...
اتبعتُ الأجيال من ضفاف الكنغ ( الكنج ) إلى شاطىء الفرات إلى مُصَب النيل إلى جبل سيناء إلى ساحات أثينا إلى كنائس روما إلى أزقـَّة القسطنطينية إلى بنايات لندن ... فرأيت العبودية تسير بكل مكان ... في موكب العظمة والجلال, والناس ينحرون الفتيان والعذارى على مذابحها ... ويدعونها إلهاً !!! ثم يسكبون الخمور والطيوب على قدميها ... ويدعونها مَـلَكاً !!! ثم يحرقون البخور أمام تماثيلها ... ويدعونها نبياً !!! ثم يخرّون ساجدين لديها ... ويدعونها شريعة !!! ثم يتحاربون ويتقاتلون من أجلها ... ويدعونها وطنية !!! ثم يستسلمون إلى مشيئتها ... ويدعونها ظَِـلُّ الله على الأرض !!! ثم يجدّون ويجاهدون في سبيلها ... ويدعونها مالاً وتجارة !!! فهي ذات أسماء عديدة وحقيقة واحدة ... ومظاهر كثيرة لجوهر واحد ... بل هي علة أزلية أبدية تجيء بأعراض متباينة وقروح مختلفة يتوارثها الأبناء عن الآباء مثلما يتوارثون نسمة الحياة ... وتلقي بذورها في تربة العصور ... مثلما تستغل الفصول ما تزرعه الفصول ... وأغرب ما لقيت من أنواع العبودية وأشكالها:
العبودية العمياء: وهي التي توثق حاضر الناس بماضي آبائهم ... وتنيخ نفوسهم أمام تقاليد جدودهم ... وتجعلهم أجساداً جديدة لأرواح عتيقة ... وقبوراً مُـكَلـَّسة لعظام بالية...
العبودية الخرساء: وهي التي تـُعَـلـَّق أيام الرجل بأذيال الزوجة التي يمقتها ... وتـُلصَق جسد المرأة بمضجع الزوج الذي تكرهه ... وتجعلهما من الحياة بمنزلة النعل من القـَدَم ...
العبودية الصَمّاء: وهي التي تـُكْر ِهُ الأفراد على إتباع مشارب محيطهم والتلوّن بألوانه والإرتداء بأزيائه ... فيصبحون كَرَجعِ الصدى ... ومن الأجسام كالخيالات ...
العبودية العرجاء: وهي التي تضع رقاب الأشِدّاء تحت سيطرة المحتالين ... وتـُسَلـِّم عزم الأقوياء إلى أهواء الطامحين بالمجد والشهرة ... فيمسون مثل آلات تحركها الأصابع ثم توقفها ... ثم تكسرها ...
العبودية الشمطاء: وهي التي تهبط بأرواح الأطفال من الفضاء المُتـَّسِع إلى منازل الشقاء ... حيث تـُقيم الحاجة بجانب الغباوة ... ويقطن الذل في جوار القنوط ... فيشبّون تعساء ... ويعيشون مجرمين ... ويموتون مرذولين ...
العبودية الرقطاء: وهي التي تبتاع الأشياء بغير أثمانها وتـُسمّي الأمور بغير أسمائها ... فتدعو الإحتيال ذكاءً ... والثرثرة معرفة ً... والضعف ليناً ... والجبن إباءً ...
العبودية العوجاء: وهي التي تحرك بالخوف ألسنة الضعفاء ... فيتكلمون بما لا يضمرون ... ويصبحون بين أيدي المَسْـكَـنة مثل ثوب تطويه وتنشره ...
العبودية الحدباء: وهي التي تقود قوماً بشرائع قوم آخرين ...
العبودية الجرباء: وهي التي تتوّج أبناء الملوك .. ملوكاً ...
العبودية السوداء: وهي التي تـَسِـمُ بالعار أبناء الجرمين الأبرياء ...
والعبودية للعبودية نفسها ... هي قوة الإستمرار ...
ولمّا تعِبتُ من ملاحقة الأجيال ومللتُ النظر إلى مواكب الشعوب والأمم ... جَـلستُ وحيداً في وادي الأشباح حيث تختبيء خيالات الأزمنة الغابرة ... وتربُض أرواح الأزمنة الآتية ... هناك رأيتُ شبحاً هزيلاً يسير منفرداً ... محدّقاً بوجه الشمس فسألته: " مَن أنت ؟؟؟ وما إسمُـك ؟؟؟ "
قال: "" إسمي الحُرّية ""
قلت: "" وأين أبناؤك ؟؟؟ ""
قال: "" واحدٌ مات مصلوباً !!! وواحدٌ مات مجنونا !!! وواحدٌ لم يولـَد بعد !!! ""
ثـُمَّ توارى عن عيني وراء الضبـــــــــــــــــــــــــــــــــاب ..... جبران خليل جبران |
__________________ ســـوريا يا كمام الورد ** لونو عا خدودك صـافي
عندك مني أحلى وعد ** رجعة عا الحضن الدافي |