الأعزاء أعضاء هذا المنتدى الجميل .. مع شكري و تقديري لكل من قام بادلاء ملاحظات حول هذه الحكايا الجميلة .. وددت القول ثانية بأن كاتب هذه الحكايا هو من أبناء المشتى المغتربين ، و الذين قضوا القسم الأكبر من حياتهم في بلاد الاغتراب (مكرها أخاك لا بطل ) ..و ذلك للأمانة الأدبية (و عند انتهاء من هذه الحكايا سوف أقول اسمه لاحقا ).
عندما قرأت هذه الحكايات أعجبتني كثيرا .. فهي تلقي الضوء على تلك الفترة الجميلة ، و العفوية من حياة آبائنا ..وودت أن يتشارك الجميع في قرائتها و الاطلاع عليها .. فهي كل ما بقي لنا من تلك الفترة الجميلة .. و التي نفتقدها كثيرا في أيامنا هذه و التي غلبت عليها طابع الحياة المادية ، السريعة و التي لا ترحم أحد .. لذلك وجدت أنه من الأفضل لنا جميعا التوقف مليا عند هذا النوع من السواليف
فنحن مضطرون الآن لوقفة سريعة امام الأعياد التي هذا موسمها وقد تكاثرت الأسئلة عنها.
1- البربارة والحين حين : هو أول أعياد فصل الشتاء ، وكان من أهم الأعيادبالنسبة لنا ..فكنا نمضي كل ما بعد ظهر ذلك اليوم في حاكورة الحرش بحثا عن نبات خاص إسمه البربارة ( نوع من القش الطويل اليابس ) نجمع منه كميات كبيرة نحرقها فوق سطوح الشل الترابية عند غروب الشمس ..معتقدين أنها تقوي السطح وتمنعه من "الدلف" خلال الشتاء . وكان اشتعال هذا النوع من القش يطلق الكثير من الطقطسة والشرار كأنه ألعاب نارية .
ثم في الليل نكون قد هيأنا أنفسنا للحين حين ، إذ كنا نستأجر

شابا من المطاربة " النور " ونصبغ وجهه بالشحوار الأسود ثم نلبسه قبوعا على شكل برج إيفل من القصب والخشب وأوراق الجرائد نعلق فيه قلائد من قشور البزاق ونسير وراءه من بيت إلى بيت ونحن نغني :
حين حين حين حين
بدنا زيت بدنا طحين
هلي بيعطوا خايرين
وهلمابيعطوا معسفين
وعندما تلتقي مجموعتان في زواريب الضيعة ، يبدأ العراك وضرب العصي، وأول هدف هو طربوش الحين حين .فتغنم المجموعة الأقوى ما كان بحوزة الأضعف .
وفي آخر الليل نذهب إلى بيت أحدنا لنقلي الزلابية ونأكلها مع طلوع الفجر .
الميلاد والدايم : الميلاد ( طبعا لم نسمع بالشجرة أبدا ) كان دائما عيدا دينيا وعائليا ..مع ذلك كنا نسهر ليلته عدة عائلات في بيت واحد .وأهم ما يقدم فيه النبيذ الذي يسقى في هذه اليلة حتى للأولاد.
اما عيد رأس السنة ن فهو عيد الأعياد وكنا نسميه الدايم . فما يحصل في ذلك العيد يتكرر طوال العام ، لا سيما في لعب القمار الذي يمارسه الجميع لتجريب الحظ ! ولم يكن بين أيدي الناس كثيرا من المصاري فكانوا يلعبون بالجوز.
كان يرافق السهرة والأكل ( اساسه الكبة بصينية ) واللعب ، تقديم ما لذ وطاب من مخبآت المؤونة ( الملبن والجوز والتين بسكر والهبول والدبس بطحينة والزبيب وغير ذلك من الاطايب )
أما الصباح فهو صباح البسترينة ( من يسبق الآخر بالقول بسترينتي عليك يأخذ منه عيدية ) لكن البسترينة المهمة كانت الخرجية من الوالدين وأقصاها في أيام الجخ ربع ليرة ، ومعها صباط جديد (لكل الشتوية) أو قميص أوجاكيت كانت للأب ثم جرى قلبها عند الخياط بطرس المختص بذلك فكانت الجاكيت تعود من عنده جديدة لكن أزرارها على اليسار وجيبة الصدر على اليمين .
وكن فرحنا بالصباط الجديد يجعلنا نحضنه معنا في الفراش حتى الصباح ..
م
الغطاس : هو عيد الغسيل والمعمودية والفواشات ..
لا بد من اغتسال الجميع في مساء هذا العيد .( من ليس عندها مولود تغسل عود ) .وكانت الوالدة التي تحب الغسيل أكثر من أي شيء في الدنيا ن ترندح وهي تغسلنا :
غطس غطس يا مر يوحنا
بشفاعتك بعمادتك
ست السيدة عرابتك .
بعد ذلك نأكل الفواشات ونكمل السهرية ..ثم نمضي إلى النوم في فرش وملاحف وشراشف نظيفة ، فيها رائحة ورق الغار المغلي التي تنعش الروح .
وفي الصباح يأتي الخوري ومعه سطل ماء ""مقدس" ! يرشه بواسطة غصن زيتون في جميع أنحاء البيت وهو يصلي ويقودش ..فيعطى ما تيسر مقابل ذلك .
وبعد ذلك ننتظر المرفع والصوم الكبير ..وعيش يا كديش تيطلع الحشيش ..
( كان العم سليمان العدلة رحمه الله خفيف الدم وله الكثير من القصص سنمر على بعضها في الحلقة القادمة )
: هذه الحكايا كلها ما بين اوائل الأربعينات واواخر الخمسينات مع بعض الإستثناءات التي يعرف زمانها من سياق الحديث.
كان ، رحمه الله ، خفيف الدم يملأ الساحة ( حيث بيته ودكانه ) بالحياة والحركة ومداعبة الأصحاب وتدبير المقالب الطريفة لمجايليه أمثال جبرا النجيب وابراهيم البوسمرة وسلهب وغيرهم .منها أن العم أبو نجيب كان ذات صباح قد ارتدى أفضل ثيابه : الشروال الكحلي المقصب والعباءة الشقراء الطرابلسية . وقصد الساحة مبكرا للسفر في زيارة واجب إجتماعي إلى صافيتا . وبانتظار سفر البوسطة جلس في باب دكان العم سليمان وأخذ ينكرزه ويناكفه بينما هو صامت منهمك بسلخ بقرة كان قد ذبحها للتو. حتى إذا فرغ من السلخ حمل الجلد بسرعة وألبسه للعم جبرا وراح يفركه به حتى امتلأت ثيابه بالدم والوسخ مما اضطره لإلغاء السفرة وهو يلعن العم سليمان والساعة التي جاء فيها لعنده .
توفي العم سليمان بحادث انقلاب البوسطة في نزلة الملوعة حتى قبل أن يتم تدشينها . إذ لم يكن العمل قد انتهى فيها لكن أحدهم فتحها من رأس الجبل فظن السائق بديع العم أنها سالكة ، وما أن وصل إلى منتصفها حتى فوجيء بجدار من الأحجار فاصطدم به وانقلبت البوسطة عدة قلبات قبل أن تستقر في قاع الوادي ...وكان العم سليمان الضحية الوحيدة إذ كانت البوسطة فارغة من الركاب في طريق العودة من نقلة مساجين إستثنائية إلى صافيتا .
وعندما علم الياس الزخور بالحادث تأثر تأثرا شديدا ، لا على العم سليمان ، وإنما لأن البوسطة كانت خالية.. فمن المعروف أن العم أبو أنيس كان يعشق أخبار السوء ( خبار السو) فراح يتساءل : معقولة يا عالم بوسطة بحالها ترجع فاضية !
والحقيقة أن هذه "الخصلة" مشهورة جدا عن العم الياس .. فقد نقل عنه أنه قال عندما حدث الزلزال في لبنان : بلغ القتلى ثلاثة آلاف حتى الآن وما يزال الخيرلقدام . أما عندما فاض نهر أبو علي في طرابلس وسبب خرابا وضحايا ، فقد جاءنا مع الفجر ليخبرنا بالكارثة وهو يقول :
-لم يبق المخبر بطرابلس.
و الى اللقاء قريبا