الصديق العزيز ما هر :
انك تجلس على سفح ذلك الجبل ، جبل المشتى الرائع لتكتب عن ذكرياتك وأحلامك في لحظات نادرة تضئ كالشهب ، تهرب فيها من الغصات المتلاحقة التي يتجرّعها القلب على مدى النهار ، ومن فوران مرارتها داخل فمك ، وهناك تترك نفسك على سجيتها ، حرّة كالريح ، عفوية كالأمواج ، وتكتب حتى لكأنّ العقدة هي التي تكتب نفسها وفقاَ لمنطق عالمها الخاص المميز ..... وهناك في ذلك المكان النائي عن الأنظار ، تخلع عن جلدك أصوات اللحظة وألوانها وروائحها ورغباتها ، لتخلّف جسداَ شفافاَ يخطّ سطوراَ ممزوجة بمدارات اللحظات الماضية ، فتكون كل ثانية دهراَ من الحيوات ........ ولكن ليس سهلاَ عليّ أن أخلف جسدي هنا في غربة قذرة ومعه زمني الحالي وايقاعه وطبوله وسكاكينه ومخاوفه وأشباحه لأنسلّ داخل مغاور الماضي المطمورة في أعماقي كالمناجم المنهارة .!!!....... منذ دهور وأنا أزحف في الظلمة وسط الجدران المتلاحقة ، تضيق أنفاسي ، وشيئاَ فشيئاَ يصير الزحف أكثر يسراَ وايلاماَ في آن ....... أبشع ما في الحديث عن الذكريات اذا كنت صادفاَ مع نفسك ، هو أن توقظ وحشاَ هائجاَ ، ثمّ عليك أن ترّوض هذا الوحش وتلجمه ، وتضع كمامة على صرخاته الملتاعة ، ثمّ تدخله في غيبوبة الى مختبرك ، وعبر قلمك المعقم كالمبضع تحاول اختيار من صرخاته ما قد يكون له معنى بالنسبة للآخرين فتبقي عليه ثمّ تلتفت لتنزع مسببات الألم وترميها في الركن الاقصى من نفاياته ...... عندما توقظ وحش الذاكرة عليك يا صديقي أن تفتح النافذة الصدئة لتستقبل في لحظة موجعة أنت من صنعها واختارها خيوط الضوء وأصوات البكاء بصريرها المرعب في آن معاَ ، لتتعمد بالدموع قبل أن تعيش الحلم ....... الحلم الحقيقي الذي لا يتطلب من الحياة التطابق معه ، بل يظلّ أبداَ نضراَ وجديداَ كذكرى عاشقة ماتت شابة ، حلماَ جادّاَ وشرساَ كثأر صحراوي ، يحاول تحقيقه مجاناَ دون أن تمزقه خيبة أو يهدمه فشل ، حلم ينمو مع الزمن ويتكاثر كنباتات الأساطير ......... حلم اسمه الحب يعمّ هذا الكوكب البائس ، حيث تصير أدوات الحرب في المتاحف وتتفرج عليها الأجيال القادمة ضاحكة من غبائنا .... حلم بالحياة ....... بالعطاء ...... وتكسير الأسطورة القائلة بأن الشمس رغيف الاثرياء ، وأنها ابنة زنا ، والدها بحار أمريكي وأمها فينيقية ، حيث لا تسطع على حواف الشرق ولا تقول "صباح الحياة " باللغة العربية .
وأنت دائماَ تحلم يا صديقي في ذروة ذلك الجبل المشتاوي ، ولا أدري هل لأنّه مشتاوي يعانق نقاء السماء ، حيث تملي عليه ارتعاشاتها وذبذباتها وشواردها ، أم لأنك أنت ذلك الكائن الرقيق الذي في لحظة شفّ حتى أصبح كالجلد حينما التقط يوماَ جرثومة الكتابة ، ففتح ذاكرته المختومة بالشمع الاحمر لينتشر على مساحتها كغيمة ، ويركض على شواطئها كحصان أبيض كان قد ملّ مهاترات الناس وضوضائهم ........
تعاتبني اذ تقول : لماذا نمتشق سيف الفضيحة ؟
الفضيحة يا صديقي هي انتزاع الأغطية الملونة والأثواب الرثّة عن جسد الحقيقة ....... الفضيحة هي مسح طبقات الطلاء ومساحيق التجميل عن دمامل الروح .....الفضيحة هي انتزاع الضمادة وازالة بقع الدم المتخثرة عن الجرح الغائر ، ليسكن بؤبؤ العين في قلب الوطن .
تعاتبني على جرائم المخيّلة !!!!!!
ألا ترى معي يا صديقي تلك النسبة العكسية المروّعة بين حجم أحلامنا وحجم امتدادنا العملي ..... ألا ترى صمت الحياة في خلايا الوجع المحكمة الاغلاق ........ألا ترى كم أنت وحيد في قبضة الوحشة ، وحيد من ذكرى حكايا يوليوس ...... ألا ترى أنك تلتهم عظام صدرك كأظافر تلميذ مرتبك وأنت تعيش مأساة سياسية اجتماعية اقتصادية ....ألا ترى التاريخ العربي الدونكيشوتي الذي نعيش ........ فكيف لا تكون الخيالات بوطن جميل ، بحلم جميل جرائم متكررة تمارس طقوسها يومياَ على مذبح كلّ ما يعيق تحقيقها ..... وبعد اعدام تلك القذارة كلّها ، تتجه نحو البحر لتغمض عينيك وتغسل ذاكرتك بثرثرته ، وتعمّد جسدك بزبده .
تعاتبني على المشاغبة المرافقة للصحة النفسية !!
حينما تعي وجودك على حافة الهاوية ، وتتابع رقصة الحياة خارج مداراتك بوعي حقيقي ، فيكون وجهك مشرّعاَ لصدق العتمة ....... عارياَ لشمس الحقيقة ورياحها وأنينها ، لا يقيك من الجنون سوى أن تقصّ من الزيتون العتيق صليباَ جديداَ وتركض به على درب التحدي ........ لا يقيك من الانزلاق في فخّ اوسكار الوهم غير عبث طفولي يعيد لك التوازن ...... جنوناَ ......رفضاَ .... غضباَ .... ربما حباَ ... ربما كتابة ... مشاغبة تجدد طاقتك على الحلم ، وتزيدك قدرة على استيعاب قيمته .
يا عزيزي : حياتنا هي حقيقتنا ، وأنا لست مصابة بعقدة الازدواجية ، أعيش حياتي منسجمة معها ، كلّ الأشياء التي قد لا يعيرها البعض اهتماماَ تخترقني حتى العظم بكهاربها الموجعة أو الممتعة ...... سلوكي أحياناَ دونما تبرير منطقي وقد يولّد ذلك لحظة انفجار بطريقة ما ولسبب يفقد منطقيته بالنسبة للآخرين ..... أحاول أحياناَ أن أقمع شراستي ولكني انثى تشهر في وجه العالم أظافرها في بعض الأحيان وأخرج عن طوري ، فأنا لست قديسّة .......... لا أفضّل شيئاَ ولا أرفض شيئاَ أتفهّم حقيقتي المتمازجة ، أدرك أنني ذرة كونية تدور في هذا الوجود الشاسع الراكض اللا متناهي ، وأعي في كلّ ثانية انتقالي المرّوع السرعة من لحظة صرخة الولادة الى لحظة الاحتضار ، وأتقبّل كلّ ما في ذلك من جمال وغصّات .
صديقي ماهر : يسكنني حب حقيقي ، حب الذين يعبرون المسافة الى أعماقي ..... رائعة هي المحبة ، ومخيف الثمن الذي علينا أن ندفعه كي لا ينزلق زئبقه الثمين من كفنا وأصابعنا .
لا أدري عندما أثور على صفحات المنتدى لأي سبب يفقد منطقيته بالنسبة للآخرين لم أعتقد بأنني أحدث نفسي أمام المرآة ..... وكأنني أثور على نفسي في لحظات الغضب !!!!! وقد يصعب أحياناَ على الآخرين تفهّم ذلك
لك كل الحب والمودّة صديقي ماهر وشكراَ لك على كلّ لحظة اهتمام أوليتني اياها في خلوتك على جبل المشتى
ودمت مشاغباَ على ذلك الجبل .
آخر تعديل بواسطة هالة ، 01-04-2006 الساعة 01:02 AM.
|