المساكن
حينئذ دنا منه بناء وقال له : هات حدثنا عن البيوت
فأجاب وقال :
ابن من خيالك مظلة في الصحراء قبل أن تبني في داخل أسوار المدينة لأنه كما كان لك بيتاً مقبلا في شفق حياتك كذلك للغريب الهائم فيك بيت كبيتك
إن بيتك هو جسدك الأكبر
ينمو في حرارة الشمس وينام في سكينة الليل و كثيرا ما ترافق نومه الأحلام أفلا يحلم بيتك و هل يترك الحلم المدينة و يسير إلى الغابة أم إلى رأس التلة ؟
أواه لو أستطيع أن أجمع بيوتكم بيدي فأبددها في الأحراج و الرياض كما يبذر الزارع في الحقول
أود لو كانت الأودية شوارع لكم و مسالك التلال الخضراء أزفة تطرقها أقدامكم عوضاً عن أزقتكم و شوارعكم القذرة و ياليتكم تنشدون بعضكم بعضا بين الدوالي و الكروم ثم تعودون حاملين عطر الأرض في طيات أثوابكم
و لكن هذه جميعها تمنيات لم تحن ساعتها بعد
لأن آبائكم و جدودكم إذ خانوا عليكم الضياع و الضلال جمعوكم معا لكي تكونوا قريبين من بعض و سبقى هذا الخوف مجمعا لكم زمنا بعد و ستظل أسوار المدينة فاصلة مواقدكم عن حقولكم ولكن إلى حين
بربكم أخبروني يا أبناء اورفيليس ماذا تملكون في هذه البيوت و أي شيء تحتفظون به في داخل هذه الأبواب الموصدة؟
هل عندكم السلام و هو القوة الصامتة التي تظهر ذاتكم الشديدة العزم المستترة في اعماقكم ؟
هل عنكم التذكارات و هي القناطر اللامعة التي تصل قنن الفكر الانساني بعضها ببعض ؟
هل عندكم الجمال الذي يرتفع بالقلب من مصنوعات الخشب والحجارة إلى الجبل المقدس ؟
بربكم اخبروني هل عندكم كل هذا في بيوتكم ؟
أم عندكم الرفاهية فقط و التحرق للرفاهية الممزوج بالطمع الرفاهية التي تدخل البيت ضيفا ثم لا تلبث أن تصير مضيفا فسيداً عاتياً عنيفاً
ثم تتحول إلى رائض جبار يتقلد السوط بيمينه و الكلاب بيساره متخذا ورغباتكم الفضلى ألعوبة يتلهى بها
ومع أن بنان هذه الرفاهية حريري الملمس فإن قلبها حديدي صلد فهي تهدىء من حدتكم لكي تناموا ثم تقف أمام أسرتكم هازئة بكم و بجلال أجسادكم
تضحك من حواسكم المدركة و تطرح بها بين الأشواك كأنها أوعية سهلة الانكسار لأن التحرق للرفاهية ينحر أهواء النفس في كبدها فيرديها قتيلة ثم يسير في جنازتها فاغرا شدقيه مرغياً مزبداً
أما انتم يا ابناء الفضاء العائيشين في الراحة والنعيم غير المستريحين فإنكم لن تؤخذوا بالأشراك ولن يقدر رائض على ترويضكم لأن بيتكم لن يكون مرساة و ثكنة سيكون سارية
كلا و لن يكون غشاء براقا تغطى به الجراح بل جفنا تحفظ به العين و انتم لن تطووا أجنحتكم لكي تستطيعوا أن تدخلوا من الأبواب و لن تحنوا رؤوسكم لئلا تنطح السقف كلا و لن تخشى أن تتنفسوا خوفا من أن تقوض أساسات الجدران و تسقط على الأرض
أجل و لن تقطنوا في القبور التي بناها أبناء الموت لأبناء الحياة
ومع كل ما يزين مناولكم من الجلال و الجمال فإنها لن تستطيع أن تحتفظ بسركم أو أن تؤوي حنينكم لأن غير المحدود فيكم يقطن من منزل السماء الذي بوابته سحابة الصباح و نوافذه سكون الليل و أناشيده
الثياب
ثم قال له الحائك : هات حدثنا عن الثياب
فأجاب قائلاً :
إن ثيابكم تحجب الكثير من جمالكم ولكنها لا تستر غير الجميل و مع أنكم تنشدون بثيابكم حرية التستر و الانفراد , فإنها تفسدكم و تستعبدكم
ويا ليت في وسعكم أن تستقبلوا الشمس و الريح بثياب بشرتكم عوضاً عن ثياب مصانعكم
لأن أنفاس الحياة في أشعة الشمس , ويد الحياة تسير مع مجاري الرياح
يقول بعضكم : " إن الريح الشمالية دون غيرها قد حاكت الثياب التي نلبسها."
أنا أقول لكم : " نعم إن الريح الشمالية قد فعلت ذلك , ولكن العار كان نولاً لها , و لدونة العضلات كانت لها خيطاً .
وعندما فرغت من عملها ضحكت منكم و هي تعصف في قلب الغاب
ولكن لا يغرب عن اذهانكم أن الحشمة هي ترس منيع متين للوقاية من عيون المدنسين
فإذا زال المدنسون من الجود , أفلا تصير الحشمة قيداً للفكر و تلويثاً له في حمأة العبودية ؟
لذلك ضعوا نصب عيونكم أن الأرض تبتهج بملامسة أقدامكم العاية . و الرياح تتوق إلى ملاعبة شعوركم المسترسلة.
البيع و الشراء
ثم دنا منه تاجر و قال له : هات حدثنا عن البيع والشراء
فأجاب وقال : إن الأرض تقدم لكم ثمارها , ولو عرفتم كيف تملئون أيديكم من خيراتها لما خبرتم طعم الحاجة في حياتكم.
لأنكم بغير مبادلة عطايا الأرض لن تجدوا وفراً من الرزق ولن يشبع جشعكم
فيجدر بكم أن تتموا هذه المقايضة بروح المحبة و العدالة و إلا فإنها تؤدي بالبعض منكم إلى الشراهة و بغيرهم إلى الطمع و المجاعة
و إذا ذهبتم إلى ساحة المدينة أيها الدائبون في خدمة البحر و الحقول و الكروم فاجتمعوا بالحاكة و الخزافين و جامعي الحنوط و الطيوب
و اضرعوا في تلك الساعة إلى الروح المتسلطة على الأرض أن تحل عليكم وتبارك مقاييسكم وموازينكم التي تعينون بها مقدار ما تجري عليه مقايضاتكم
و لا تأذنوا لذوي الأيدي العقيمة من ذوي البطالة أن يشتركوا في معاملاتكم لأنه لا شيء لهم يتاجرون به سوى أقوالهم التي يبيعونها لكم بأعمالكم
بل قولوا لأمثال هؤلاء:
" تعالوا معنا إلى الحقل , أو اذهبوا مع اولادنا إلى البحر و ألقوا هناك شباككم , لأن الأرض و البحر يجودان عليكم ,متى عملتم , كما يجودان علينا "
و إن جائكم المغنون و الراقصون والعازفون , فاشتروا من عطاياهم و لاترفضوهم ,
لأنهم يجمعون الأثمار و العطور نظيركم ومع أن ما يقدمونه لكم مصنوع من مادة الأحلام , فإنه أجمل كساء و أفضل غذاء لنفوسكم.
و قبل أن تبرحوا ساحة المدينة انظروا ألا ينصرف أحد منها فارغ اليدين
لأن الروح السيدة في الأرض لا تنام بطمأنينة وسلام على تموجات الرياح حتى تشاهد بعينيها أن الصغير فيكم قد نال كالكبير بينكم كل ما هو في حاجة إليه .
الجرائم و العقوبات
حينئذ وقف أحد قضاة المدينة وقال له : هات لنا خطبة في الجرائم والعقوبات
فأجاب و قال : عندما تسير أرواحكم هائمة فوق الرياح و تمسون منفردين ليس لكم طوارئ السوء , حينئذ تقترفون الاثم ضد غيركم و ضد أنفسكم
و لأجل ذلك الاثم الذي تقترفونه يجب أن تقرعوا برهة و تنتظروا على بوابة القدوس
فإن ذاتكم الإلهية بحر عظيم
كانت نقية منذ الازل و ستظل نقية إلى آخر الدهور
وهي كالأثير لا ترفع إلا ذوي الاجنحة
أجل إن ذاتكم الالهية كالشمس , لا تعرف طرق المناجذ *( جمع خلد من غير لفظه ) و لا تعبأ بأوكار الأفاعي
غير أنها لا تقطن و حيدة في كيانكم
لأن كثيراً منكم لا يزال بشراً و كثيراً غيره لم يصر بشراً بعد بل هو مسخ لا صورة له يسير غافلاً في الضباب وهو ينشد عهد يقظته
فلا أود أن احدثكم الآن إلا عن هذا الانسان فيكم , لأن هذا الانسان دون ذاتكم الإلهية و دون المسخ الهائم في الضباب هو الذي يعرف الجرائم والعقوبات على الجرائم في كيانكم
قد طالما سمعتكم تتخاطبون فيما بينكم عمن يقترف اثما كأنه ليس منكم بل غريب عنكم و دخيل فيما بينكم
ولكنني الحق أقول لكم كما أن القديس و البار لا يستطيعان أن يتساميا فوق الذات الرفية التي في كل منكم
هكذا الشرير و الضعيف لا يستطيعان أن ينحدرا إلى أدنى من الذات الدنيئة التي في كل واحد منكم
و كما أن ورقة الشجرة الصغيرة لا تستطيع أن تحوّل لونها من الخضرة إلى الصفرة إلا بإرادة الشجرة و معرفتها الكامنة في أعماقها
هكذا لا يستطيع فاعل السوء بينكم أن يقترف إثما بدون إرداتكم الخفية و معرفتكم التي في قلوبكم
فإنكم تسيرون معاً في موكب واحد إلى ذاتكم الإلهية
أنتم الطريق و أنتم المطرقون
فإذا عثر أحد منكم فإنما تكون عثرته عبرة للقادمين وراءه فيتجنبون الحجر الذي عثر به
أجل و تكون عثرته توبيخاً للذين يسيرون أمامه بأقدام سريعة ثابته لأنهم لم ينقلوا حجر العثار من طريقه
و إليكم يا أبناء اورفيليس هذه الكلمة التي و إن جلت ثقيلة على قلوبكم , فهي القيقة بعينها :
إن القتيل ليس بريئاً من جريمة القتل
وليس المسروق بلا لوم في سرقته
لا يستطيع البار أن يتبرأ من أعمال الشرير و الطاهر النقي اليدين من بريء الذمة من قذارة
المدنسين
كثيرا ما يذهب المجرم ضحية لمن وقع عليه جرمه , كما يغلب أن يحمل المحكوم عليه الاثقال التي كان يجب أ، يحملها الأبرياء غير المحكومين
لذلك لا تستطيعون أن تضعوا حداً يفصل بين الأشرار و الصالحين أو الابرياء و المذنبين لأنهم يقفون معاً أمام وجه الشمس كما أن الخيط الأبيض و الخيط الأسود ينسجمان معاً نول واحد
فإذا انقطع الخيط الأسود ينظر الحائك إلى النسيج بأسره ثم يرجع إلى نوله يفحصه و ينظفه
لذلك إذا جاء أحدكم بالزوجة الخائنة إلى المحاكمة فليزن أولا قلب زوجها بالموازين و ليقس نفسه بالمقاييس
و كل من شاء ان يلطم المجرم بيمينه يجدر به اولا أن أن ينظر ببصيرة ذهنه إلى روح من أوقع الجرم عليه
و لإ، رغب أد منكم في أن يضع الفأس على أصل الشجرة الشريرة باسم العدالة فلينظر اولاً إلى أعماق جذورها
و هو لا شك واجد أن جذور الشجرة الشيرة و جذور الصالحة و غير المثمرة كلها متشابكة معاً في قلب الأرض الصامت
أما أنتم أيها القضاة الذين يريدون أن يكونوا أبرارا أي نوع من الأحكام تصدرون على الرجل الأمين بجسده السارق بروحه ؟
أم أي عقاب تنزلون بذلك الذي يقتل الجسد مرة ولكن الناس يقتلون روحه ألف مرة ؟
و كيف تطاردون الرجل الذي مه أنه خداع ظالم بأعماله فهو موجع القلب , ذليل , مهان بروحه ؟
أجل , كيف تستطيعون أن تعاقبوا اللذين لهم توبيخ ضمائرهم وهو أعظم من جرائمهم أكبر قصاص على الأرض ؟
أليس توبيخ الضمير هو نفسه العدالة التي تتوخاها الشريعة التي تتظاهرون بخدمتها؟
فأنتم لا تستطيعون أن تسكبوا بلسم توبيخ الضمير في قلوب الأبراء كما أنكم لا تقدرون أن تنزعوه من قلوب الأشقياء
فهو يأتي لذاته في ساعة من الليل لا ننتظرها , داعيا الناس إلى النهوض من غفلتهم و التأمل بحياتهم وما فيها من التداعيات و المخالفات
و أنتم أيها الراغبون في سبر غور العدالة كيف تقدرون أن تدركوا كنهها إن لم تنظروا إلى جميع الأعمال بعين اليقظة في النور الكامل؟
في مثل هذا النور تعرفون أن الرجل المنتصب و الرجل الساقط على الأرض هما بالحقيقة رجل واحد في الشفق بين الليل ذاته الممسوخة و نهار ذاته الإلهية
و أن حجر الزاوية في الهيكل ليس بأعظم من الحجر الذي في أسفل أساساته
الشرائع
ثم قال له مشرع : وماذا تعتقد بشرائعنا أيها المعلم
فأجاب قائلاً :
إنكم تستلذون أن تضعوا شرائع لأنفسكم , بيد أنكم تستلذون أكثر أن تكسروها و تتعدوا فرائضها
لذلك أتم كالأولاد الذين يلعبون على الشاطئ يبنون أبراج عظيمة من الرمل بصبر وثبات , ثم لا يلبثون أن يهدوموها ضاحكين صاخبين
فعندما تبنون ابراجكم الرملية يأتي البحر برمال جديدة إلى الشاطئ و عندما تهدمون أبراجكم يضحك البحر منكم في نفسه لأن البحر يضحك من الأبرياء ابداً
ولكن أقول لكم في من ليست الحياة بحراً في عقيدتهم بل ليست الشرائع التي تسنها حكمة الانسان البالغة أبراجا من الرمال فحسب
أولئك الذين يحسبون أن الحياة صخرة صلدة و أن الشريعة إزميل حاد يأخذونه بأيديهم لكي ينحتوا هذه الصخرة على صورتهم و مثالهم وفي الثور الذي يحب نيره و يتهم الوعل و الإبل و الظبي أنها حيوانات متمردة ناشزة ؟
وفي الأفعى العتيقة الأيام التي لا تستطيع أن تخلع جلدها و لذلك تنبري متهمة جميع الحيوانات بالعري وقلة الحياء ؟
وفي ذلك الذي يسبق غيره إلى وليمة العرس و عندما يملأ جوفه من الأطعمة و يبلغ حده من النهم و اشراهة يترك الوليمى و يذهب في طريقه قائلاً إن جميع الولائم مخالفة للناموس و جميع الذين يجتمعون إليها متعدّو الشريعة ؟
ماذا أقول في امثال هؤلاء؟ انهم كجميع الناس يقفون في أشعة الشمس و لكنهم يولون الشمس ظهورهم
فهم لذك لا ينظرون سوى ظلالهم و ظلالهم هي عند التحقيق شرائعهم المقدسة
و هل اعترافاتهم بالشريعة سوى انهم ينحون و يطأطئون رؤوسهم لكي يستقصوا ظلالهم على الأرض ؟
أما أنتم الذين يمشون وهم يحدقون إلى الشمس بأجفان غير مرتعشة فهل في الأرض من صورة تستطيع أن تستوقفكم هنيهة ؟
و أنتم المسافرون مع الريح أية صفحة من الصفحات الدالة على مجاري الرياح تقدر أن تقودكم في مسالككم ؟
وما هي الشريعة البشرية التي تفيدكم إذا كنتم لم تحطموا نيركم على باب سجن من سجون الانسان؟
و أية شرائع ترهبون إذا كنتم ترقصون ولكنكم لا تعثرون بقيد من قيوم العالم الحديدية ؟
ومن هو الرجل الذي يستطيع أن يأتي بكم إلى المحاكمة إذا مزقتم أثوابكم و لكنكم لم تضعوها في طريق أحد الناس ؟
أجل يا أبناء اورفليس إنكم تستطيعون أن تخمدوا صوت الطبل و تحلوا أوتار القيثارة ولكن مَن مِن أبناء الانسان يستطيع أن يمنع قبرة السماء عن الغناء ؟
الحرية
ثم قال له خطيب : هات حدثنا عن الحرية
فأجاب قائلاً : قد طالما رأيتكم ساجدين على ركبكم أمام أبواب المدينة و إلى جوانب المواقد تعبدون حريتكم
و أنتم بذلك أشبه بالعبيد الذين يتذللون أمام سيدهم العسوف الجبار يمدحونه و ينشدون له وهو يعمل السيف في رقابهم
نعم , وفي غابة الهيكل وظل القلعة كثيراً ما رأيت أشدكم حرية حمل حريته كنير ثقيل لعنقه و غل متين ليديه و رجليه
رأيت كل ذلك فذاب قلبي في اعماق صدري و نزفت دماؤه لأنكم لا تستطيعون أن تصيروا أحراراً حتى تتحول رغبتكم في السعي وراء الحرية إلى سلاح تتسلحون يه و تنقطعوا عن التحدث بالحرية كغايتكم و مهجتكم
إنكم تصيرون أحرار بالحقيقة إذا لم تكن أيامكم بلا عمل تعملونه و لياليكم بلا حاجة تفكرون بها أو كآبة تتألمون ذكراها
بل تكونون أحراراً عندما تنطق هموم الحياة و أعمالها أحقاءكم بمنطقة الجاد و العمل و تثقل كاهلكم بالمصاعب و المصائب و لكنكم تنهضون من تحت أثقالها غزاة طليقين
لأنكم كيف تستطيعون أن ترتفعوا إلى ما فوق أيامكم و لياليكم إذا لم تحطموا السلاسل التي أنتم أنفسكم في فجر إدراككم قيدتم بها ساعة ظهيرتكم الحرة ؟
الا إن ما تسمونه حرية إنما هو بالحقيقة أشد هذه السلاسل قوة و إن كانت حلقاته تلمع في نور الشمس و تخطف أبصاركم
و ماذا يجدر بكم طرحه عنكم لكي تصيروا أحراراً سوى كسر صغيرة رثة في اذنكم البالية ؟
فإذا كانت هذه الكسر شريعة جائرة وجب نسخها لأنها شريعة سطرتها يمينكم و حفرتها على جبينكم
بيد أنكم لا تستطيعون أن تمحوها عن جباهكم بإحراق كتب الشريعة التي في دواوينكم كلا و لا يتم لكم ذلك بغسل جباه قضاتكم ولو سكبتم عليها كل ما في البحار من مياه
و إن كانت طاغية تودون خلعه عن عرشه فانظروا أولاً إن كان عرشه القائم في اعماقكم قد تهدم
لأنه كيف يستطيع طاغية أن يحكم الاحرار المفتخرين مالم يكن الطغيان أساسا لحريتهم و العار قاعدة لكبريائهم؟
و إن كانت هماً ترغبون في التخلص منه فإن ذلك الهم إنما أنتم اخترتموه ولم يضعه أحد عليكم
و إن كانت خوفاً تريدون طرده عنكم فإن جرثومة هذا الخوف مغروسة في صميم قلوبكم وليست في يدي من تخافون
الحق أقول لكم إن جميع الأشياء تتحرك في كيانكم متعانقة على الدوام عناقاً نصفياً : كل ما تشتهون و ما تخافون وما تتعشقون وما تستكرهون وما تسعون وراءه وما تهربون منه
جميع هذه الرغبات تتحرك فيكم كالأنوار و الظلال , فإذا اضمحل الظل ولم يبق له من أثر أمسى النور المتلألئ ظلاً لنور آخر سواه
وهكذا الحال في حريتكم إذا حلت قيودها أمست هي نفسها قيداً لحرية أعظم منها .
العقل و العاطفة
ثم طلبت إليه العرافة ثانية قائلة : هات حدثنا عن العقل و الهوى
فأجاب قائلاً : كثيرا ما تكون نفوسكم ميداناً تسير فيه عقولكم ومدارككم حربا عواناً على اهوائكم وشهواتكم و إنني أود أم أكون صانع سلام في نفوسكم
فأحول ما فيكم من تنافر و خصام إلى وحدة و سلام و لكن أنى يكون لي ذلك إذا لم تصيروا أنتم صانعي سلام لنفوسكم ومحبين جميع عناصركم على السواء
إن العقل و الهوى هما سكان* ( * دفة السفينة ) النفس و شراعها وهي سائرة في بحر العالم فإذا انكسر السكان أو تمزق الشراع فإن سفينة النفس لا تستطيع أن تتابع سيرها بل ترغم على ملاطمة الأمواج يمنة و يسرة حتى تقذف بكم إلى مكان أمين تحتفطون به في وسط البحر
لأن العقل اذا استقل بالسلطان على الجسد قيد أهواءه و لكن الاهواء إذا لم يرافقها العقل كانت لهيباً يتأجج ليفني نفسه
فاجعل نفسك تسمو بعقلك إلى مستوى أهوائك و حينئذ ترى منها ما يطربك و يشرح لك صدرك
وليكن لك من عقلك دليل و قائد لأهوائك لكي تعيش أهواؤك في كل يوم بعد موتها و تنهض كالعنقاء متسامية فوق رمادها
و أرغب إليكم أن تعنوا بالعقل و الهوى عنايتكم بطيفين عزيزين عليكم فإنكم ولا شك لا تكرمون الواحد أكثر من الثاني لأن الذي يعتني بالواحد و يهمل الآخر يخسر محبة الاثنين و ثقتهما
و إذا جلستم في ظلال الحور الوارفة بين التلال الجميلة تشاطرون الحقول و المروج البعيدة سلامها و سكينتها و صفائها فقولوا حينئذ في أعماق قلوبكم متهيبين خاشعين : إن الله يتحرك في الاهواء
وما دمتم نسمة من روح الله وورقة في حرجه فأنتم أيضا يجب أن تستريحوا في العقل و تتحركوا في الأهواء
الألم
ثم نهضت من بين الجمع امرأة و قالت له : هات حدثنا عن الألم
فأجاب و قال : إن ما تشعرون به من الألم هو انكسار القشرة التي تغلف إدراككم
و كما أن القشرة الصلدة التي تحجب الثمرة يجب أ، تتحطم حتى يبرز قلبها من ظلمة الأرض إلى نور الشمس
هكذا أنتم أيضا يجب أن تحطم الآلام قشوركم قبل أن تعرفوا معنى الحياة لأنكم لو استطعتم أن تعيروا عجائب حياتكم اليومية حقها من التأمل و الدهشة لما كنتم ترون آلامكم أقل غرابة من أفراحكم
بل كنتم تقبلون فصول قلوبكم كما قد قبلتم في غابر حياتكم الفصول التي مرت في حقولكم
و كنتم ترقبون و تتأملون بهدوء و سكون شتاء أحزانكم و آلامكم
أنتم مخيرون في الكثير من آلامكم
و هذا الكثير من آلامكم هو الجرعة الشديدة المرارة التي بواسطتها يشفي الطبيب الحكيم الساهر في أعماقكم أسقام نفوسكم المريضة
لذلك آمنوا بطبيب نفوسكم , وثقوا بما يصفه لكم من الدواء الشافي و تناولوا جرعته بسكينة و طمأنينة
لأن يمينه و إن بدت لكم ثقيلة قاسية فهي مقودة بيمين غير المنظور اللطيفة و الكأس التي يقدمها إليكم و إن أحرقت شفاهكم فهي مصنوعة من الطين الذي جلبته يدا الفخاري الأزلي بدموعه المقدسة.
معرفة النفس
ثم قال له رجل : هات حدثنا عن معرفة النفس
فأجاب قائلاً : إن قلوبكم تعرف في السكينة أسرار الأيام و الليالي , ولكن آذانكم تتشوق لسماع صوت هذه المعرفة الهابطة على قلوبكم غير أنكم تودون لو تعرفون بالألفاظ و العبارات ما تعرفونه بالأفكار و التأملات
و تتوقون إلى أ، تلمسوا بأصابعكم جسد أحلامكم العاري
وحسن أنكم تتوقون إلى جميع ذلك فإن الينبوع الكامن في أعماق نفوسكم سينفجر يوما ما و يجري منحدراً إلى البحر و الكنز المطمور في أعماقكم غير المتناهية سينقب في ساعة لا تعلمونها و تفتح أبوابه أمام عيونكم
ولكن حذار أن تأخذوا معكم موازينكم لكي تزنوا بها كنزكم غير المعروف
كلا , و لا تسبروا غور معرفتكم بقياس محدود أو حبل مشدود لأن الذات بحر ولا وزن ولا قياس له
أجل ولا تقل في ذاتك : " قد وجدت الحق " بل قل بالأحرى : " قد وجدت حقاً "
و لا تقل : " قد وجدت طريق النفس " بل قل بالأولى : " قد رأيت النفس تمشي على طريقي "
لأن النفس تمشي على جميع المسالك و الطرق
النفس لا تمشي على حبل أو خيط كلاّ ولا هي تنمو كالقصبة , النفس تطوي ذاتها كالبشنين ( نبات يقوم على ساق لا ورق له ) ذي البتلات التي لا تحصى عديدها