نقاش ديمقراطي في نادي عسكري | | د.سمير إسماعيل : تداول سلمي للسلطة والقضاء على حكم الحزب الواحد
طيب تيزيني : يطالب بمؤتمر وطني شامل وينتقد سياسة الاقصاء
مدير كلية الدفاع الوطني : المطلوب توحيد الصفوف و إعداد الجماهير للمقاومة..
كانت مفاجئتنا كبيرة نحن طلبة قسم الدراسات العليا في كلية العلوم السياسية, حينما أبلغنا الدكتور سمير اسماعيل عميد الكلية بأننا مدعوون لحضور مؤتمر علمي تحت عنوان " عامان على الاحتلال الأمريكي للعراق.. الدروس المستفادة والآفاق المتوقعة " الذي تنظمه كلية الدفاع الوطني برعاية السيد عماد أول وزير الدفاع محمد حسن تركماني, وكانت مفاجئتنا أكبر حينما قال لنا الدكتور سمير اسماعيل أنكم تتمتعون بكامل الحرية فيما تطرحونه من أفكار هناك, وطلب منا ألا نهاب الرتب العالية التي سنراها, وأن نتكلم بأي صيغة نراها مناسبة ما دامت تتمتع بالعلمية, دون أن نحذر أو نحسب حساب أي خطوط حمر, هذا معنى ما قاله لنا, حينها خطر في بالي أن السيد العميد – الذي أكن له الكثير من المحبة والاحترام- يريد الانتقام منا بسبب خلافات سابقة اندلعت بيننا وبينه بخصوص ساعات الدوام في الكلية, ووجد الفرصة سانحة في هذه المناسبة ليحقق انتقامه ويتخلص منا... لم أستطع كتم ضحكة داعبتني حينما خطر ببالي هذا الخاطر الجهنمي...
حضرنا صباح يوم الاثنين 18/4 إلى مدخل نادي الضباط الجديد بجوار مريديان دمشق, وكانت المرة الأولى التي أدخل فيها إلى هذا المبنى, حينما دخلنا المدرج الموعود كانت المفاجئة أن السيد عماد أول وزير الدفاع شخصياً, هو من سيفتتح المؤتمر, وكان في مقدمة الحاضرين, وحينها تذكرت دعوات الدكتور سمير اسماعيل بألا نهاب الرتب العالية التي كانت هناك, إلا أننا احتجنا إلى وقت ليس بالقليل حتى تأقلمنا مع الجو العام السائد هناك.
لم تكن لدي خبرة سابقة في كيفية تعامل الشخصيات العسكرية الرفيعة المستوى مع غيرهم من مدنيين, كان تصوري الأولي أن هناك نوع من التحفظ والفوقية في أساليب تعامل أصحاب هكذا رتب, إلا أن كل تصوراتي المسبقة قد انقلبت رأساً على عقب يومها, فالمفاجآت لم تكن فقط من قبل عميد كليتنا, بل تتالت المفاجآت, حينما لمسنا مساحة من الحرية غير مسبوقة في الطروحات التي تناولها الخبراء والباحثون المدعوون.
وكي لا أطيل عليكم, أول ما فوجئت به ما قاله عميد كلية العلوم السياسية نفسه والذي كنت أظنه يريد الإيقاع بنا, وإذ به يطرح طروحات للخروج من مأزق الاستهداف الامريكي لسورية, كان من أهم عناوينها التداول السلمي للسلطة, والقضاء على حكم الحزب الواحد, وقال مقولة هامة, أن الاستبداد يتعارض دوماً مع الحكمة...حينها ظننت أن الرجل قد مل الحياة وقرر الانتحار... الحقيقة أنني أتابع ما بات يقال في الإعلام السوري والأوساط السورية الأكاديمية والشعبية, وبدأت كغيري أتلمس مساحات من الحرية الجديدة الممنوحة للشعب, لكن آخر ماتوقعته, ان تطرح هكذا طروحات أمام النخبة العسكرية وبوجود السيد وزير الدفاع, وبهذه اللغة الجريئة والصريحة.
هوجم الدكتور سمير اسماعيل من قبل أستاذة الفلسفة الدكتورة إنصاف محمد لأنه استخدم لفظ القضاء على حكم الحزب الواحد, كما رفضت الدكتورة إنصاف فكرة تعارض الاستبداد مع الحكمة, ورغم أنها حاولت تبرير وجهة نظرها لكنني لم أستطع " هضمه".
وخلال الجلسة الأولى من المؤتمر تكلم باحثون آخرون غير الدكتور سمير اسماعيل, كان أبرزهم الدكتور خير الدين حسيب الباحث العراقي الشهير المقيم في بيروت منذ العام 1974, واحد أبرز الباحثين المتعاونين مع مركز دراسات الوحدة العربية...طرح الدكتور حسيب عدة نقاط ملفتة للاهتمام كان اهمها أن مساعي عربية كانت تجري للوساطة بين العراق والولايات المتحدة الأمريكية في تسعينات القرن الماضي, وأكد حسيب أن العاهل المغربي الراحل الحسن الثاني قد حاول التدخل شخصياً لحل الأزمة بعد طلب عراقي يرجوه التوسط, ففوجئ الحسن أن واشنطن مستعدة للمصالحة مع النظام العراقي في بغداد, في حال وافق صدام حسين على مصالحة إسرائيل والاعتراف بها, وتطبيع العلاقات معها...هذا ما قاله حسيب, ورغم الشكوك التي أثيرت في المؤتمر حول مصداقية ما قاله, إلا أنني تذكرت حالما فرغ الرجل من سرد القصة, تذكرت ما صدر من تصريحات عن السفير السوري في واشنطن السيد عماد مصطفى في الليلة التي سبقت يوم خطاب الرئيس بشار الأسد الأخير أمام مجلس الشعب, حينما قال مصطفى: سأقول لكم كيف نستطيع تجاوز أزمتنا مع واشنطن...أن نرفع العلم السوري على الجولان إلى جانب العلم الإسرائيلي وأن نتنازل عن حقوقنا في هذه الهضبة, ونطبع العلاقات مع إسرائيل, وحينها ستسمح لنا واشنطن بالبقاء في لبنان إلى الأبد...هذا ما خطر في بالي ساعة كان الدكتور حسيب يتكلم عن الفرص التي عرضت على صدام حسين في السنوات الأخيرة مقابل تطبيع العلاقات مع إسرائيل.
هذا بالنسبة لأهم ما دار في الجلسة الأولى, التي خرجنا بعدها في استراحة قصيرة فوجئنا خلالها بالدماثة والرقي الذي تعاملت به بعض القيادات العسكرية معنا.
أما في الجلسة الثانية كانت المفاجئة أكبر, حينما وجدنا الدكتور طيب تيزيني أستاذ الفلسفة والعلوم السياسية في جامعة دمشق احد المحاضرين, ومن يعرف الطيب تيزيني يعرف آراءه وكتبه وأطروحاته, التي لم اكن أتوقع أن يرغب السيد وزير الدفاع والقيادات العسكرية الكبرى في سورية سماعها, وفعلاً وكعادته بدأ الطيب تيزيني ينتقد سياسة الإقصاء القديمة التي اتبعها النظام السوري, والنتائج السيئة التي ولدتها وجعلت الغرب يرانا لقمة سائغة, ويشجع العملاء والخونة على العمل من خارج البلاد, بهدف الوصول إلى السلطة على دبابات الأمريكيين, وطالب الدكتور الطيب تيزيني بعقد مؤتمر وطني يجمع كل القوى الوطنية السورية من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار, بهدف توحيد الجبهة الداخلية وتماسك الوحدة الوطنية, وقد احتد الدكتور الطيب حينما قال اننا مستهدفون وأن الوقت يداهمنا, وقد ولد احتداده هذا تأففاً لدى بعض القيادات العسكرية, حيث وضعنا أيدينا على قلوبنا, لنخرج بعد انتهاء الجلسة الثانية, وندعى إلى تناول وجبة الغداء التي أقامها السيد وزير الدفاع على شرفنا, وهناك كانت مفاجأة جديدة حيث كانت بعض القيادات العسكرية تدعو الدكتور تيزيني لتناول الغداء بكل إصرار وتقدير, كما دعي جميع الباحثين الآخرين بنفس المستوى من التقدير.
كان من أهم المتحدثين في الجلسة الثالثة الأستاذ أنيس النقاش أحد أبرز الباحثين والمتبصرين بما يصدر عن مراكز الأبحاث الأمريكية, وهو فلسطيني الأصل مقيم في بيروت, ولديه مركز للدراسات هناك...وكان من أهم طروحاته التأكيد على أن سورية مستهدفة وأن الخيار الأمثل هو خيار تشافيز, الرئيس الفنزويلي الذي حاولت واشنطن الإطاحة به بانقلاب عسكري, فأعاده شعبه إلى سدة الحكم, وهو ما يزال قابع في سدة الرئاسة الفنزيلية, على الرغم من أنف الإدارة الأمريكية...كما دعى السيد نقاش إلى دعم المقاومة اللبنانية الممثلة بحزب الله, وتوسيع قاعدتها الشعبية عبر تنويع الدعم الطائفي لها وعدم حصرها بالطائفة الشيعية, واعتبر النقاش أن جزءاً هاماً من دوافع الحملة الأمريكية على المنطقة, تعود إلى الرغبة الأمريكية والإسرائيلية في ضرب المقاومة اللبنانية والدول الداعمة لها بهدف تعميم حالة التدجين لجميع الشعوب العربية وخوفاً من امتداد ظاهرة المقاومة الشعبية إلى دول عربية أخرى.
وفي اليوم الثاني شهدت الجلسة الأولى بعض المشادات بين عدد من الباحثين بسبب الخلاف بين من يقول بأن الولايات المتحدة تترنح وأنها على أهبة الانهيار وهذا من أسباب هجمتها الوحشية على العالم, بهدف تجنب مشكلاتها الداخلية المتفاقمة, وتأخير الوصول إلى لحظة النهاية في تاريخ الولايات المتحدة, وبين من نفى هذه الفكرة متذرعاً بخبرته بالمجتمع الامريكي وبالوضع الداخلي هناك.
لكن الدكتور قدري جميل الباحث المالي السوري حسم الأمر حينما قدم تحليلاً متكاملاً لأسباب الهجمة الأمريكية الراهنة على المنطقة العربية والإسلامية, حيث أكد الدكتور جميل أن خبراء روس وباحثون في مراكز دراسات روسية كانوا قد تنبؤا في وقت مبكر بأحداث 11 ايلول حينما أكد بعضهم في صيف العام 2001 أن الولايات المتحدة في مأزق مالي واقتصادي وأنها لا بد أن تفتعل حادثاً كبيراً, بهدف إشعال حرب كبيرة غير عادية -ارتأى الخبراء الروس اعتبارها حرباً عالمية- بهدف الخروج من مأزقهم المالي والاقتصادي...أما ما هي تفاصيل المِأزق المالي والاقتصادي الذي وقعت به الولايات المتحدة؟, ولماذا لا يمكن حله إلا عبر حرب كبرى؟, ولماذا في صيف العام 2001 تحديداً؟.
هذا ما أجاب عليه الدكتور قدري جميل حيث أكد: أن واشنطن بدأت تكتشف أنها انحدرت من المرتبة الأولى في العالم اقتصادياً, لتحتل المرتبة الثانية بعد الاتحاد الاوروبي, وفي مطلع العام 2002 انطلقت العملة الأوروبية الموحدة (اليورو), مما يعني أن القوة الاقتصادية الأوروبية ستزداد, ولأن الولايات المتحدة ماتزال تحتل المرتبة الأولى سياسياً وعسكرياً, ولأنه من المعروف أنه حينما ترتفع قوة عالمية ما إلى المرتبة الأولى في العالم في مجال معين, فإنها ستبدأ تزاحم الدول الأخرى الكبرى على المراتب الأولى في مجالات أخرى, وهذا ما حدث في الحربين العالميتين الأولى والثانية, فعندما باتت ألمانيا قوة اقتصاية كبرى بدأت تحاول استيلاب المرتبة الأولى عالمياً في المجالين العسكري والسياسي من الدول التي كانت تهيمن على هاتين المرتبتين وهما فرنسا وبريطانيا...ومما زاد مأزق واشنطن التي باتت تخشى من الاتحاد الاوروبي ومن اليابان والصين والهند, أن انفكاك الدولار عن الذهب في سبعينات القرن الماضي وتعاظم دور البورصات المالية في تداول العملة والاسهم بصورة منفصلة عن القيمة الحقيقية لما تمثله هذه العملة من بضائع وسلع, وترافق ذلك مع نمط استهلاكي مرتفع وباذخ للغاية في الولايات المتحدة...أدى كل ذلك إلى تضخم الكتلة النقدية المتداولة عالمياً بالدولار لتفوق بكثير القيم الحقيقة لما تمثله هذه الكتلة من بضائع وسلع, وقدر الدكتور جميل حسب بعض الدراسات أن الكتلة النقدية المتداولة بالدولار عالمياً حوالي 300 ألف تريليون (التريليون ألف مليار) وهو رقم هائل جداً مقارنة بالقيمة الحقيقية للسلع والبضائع التي تقدر بحوالي 30 ألف تريليون, وهذا الفارق المالي الهائل جداً بات مهدداً بالانكشاف والانهيار بسبب اقتراب موعد نزول اليورو إلى الأسواق وهو الممثل لأقوى اقتصاد في العالم, الأمر الذي جعل خبراء روس يؤكدون أن واشنطن ستلجأ إلى حلول هوليودية لتجنب المأزق الذي وقعت فيه والذي قد يودي باقتصادها إلى انهيار لا سابق له, إلى جانب مخاوفها من تقدم أوروبا لمنافستها على الصعد السياسية والعسكرية...وقبيل أشهر قليلة من أحداث 11 أيلول تنبأ هؤلاء الخبراء الروس بأن واشنطن بصدد التحضير لحدث يهز العالم ويخلق لها ذرائع لشن حروب متتالية, لأن واشنطن باتت محكومة بالحرب, فمأزقها لا حل له إلا إذا فعَل الاقتصاد الأمريكي بصورة متسارعة مع خفض الفرص المتاحة أمام القوى العالمية المنافسة, وهذا ما وجدت واشنطن حله عبر شن حروب جديدة تختار فيها دول ضعيفة تقوم بتدمير بناها التحتية ثم تعيد إعمارها فتشتغل مصانعها وشركاتها, وهكذا اختارت واشنطن الشرق الأوسط بما فيه من دول ضعيفة, وبما فيه من ثروات نفطية تشكل حقيقة الجزء الأغلب من ثروة العالم, وبالتالي تتحكم بأسعار النفط وتؤمن لنفسها نفطاً رخيصاً في مقابل توريدها النفط الباهظ الثمن للدول المنافسة لها, فتحصل بذلك على ميزة تفضيلية لها مقابل هذه الدول, وتوسع من هامش المنافسة بينها وبين الدول المنافسة لها, هذا الحل الهوليودي الذي أوجدته إدارة بوش الراهنة بالتعاون مع مراكز أبحاث امريكية, بدأت الخطوات الأولى لتنفيذه في أحداث 11 ايلول ثم في الحرب علىأفغانستان والحرب على العراق...وعبر دراسة قام بها بعض الخبراء العرب ومن بينهم الدكتور قدري جميل...وجد هؤلاء بالاعتماد على الأرقام الأخيرة للتضخم المالي الأمريكي, أن واشنطن لا بد أنها مقبلة على حرب جديدة في العام2006, فالأرقام المعبرة عن أوضاع الميزانية الأمريكية تؤكد تأزم الوضع من جديد مما يعني أن واشنطن بحاجة إلى حرب جديدة, وهذا معنى عبارة "أمريكا محكومة بالحرب".
هذه الرؤية التي قدمها الدكتور قدري جميل, تعني أن العام القادم سيشهد حرباً أمريكية شاملة على دولة ما, ونحن نعرف تماماً أن سورية وإيران هما الدولتان الأكثر ترجيحاً في هذا المجال, مما يعظم احتمالات الاستهداف الأمريكي لسورية, وهو ما لمح له الدكتور قدري جميل داعياً إلى تماسك الشعب مع السلطة, والاعتماد على الإرادة الشعبية...وفي سؤال وجهته له قلت فيه: معنى ما سبق أن هدف واشنطن هو السيطرة على الشرق الأوسط لهدفين, فعبر حروبها على دول ضعيفة تؤمن فرص نشاط جديدة لشركات السلاح والإعمار لديها, كما تسيطر على نفط المنطقة فتؤمن لنفسها نفطاً رخيصاً, مقابل النفط الباهظ الثمن الذي ستحصل عليه الدول المنافسة...وإذا كان الخبراء الروس قد اكتشفوا المخطط الأمريكي قبيل البدء بخطوته الافتتاحية (أحداث 11 أيلول), فهذا يعني أن القوى الأخرى المنافسة لأمريكا والمستهدفة في هذا المخطط تعلم بالضرورة أبعاد هذا المخطط, فهي المستهدف الرئيس فيه, وإن كان لدى روسيا مشكلات داخلية وصراع مراكز قوى يقيد فلاديمير بوتين ويمنعه من التحرك بحرية, وإن كان الاتحاد الأوروبي لا يعد بعد اتحاداً سياسياً قادراً على تنسيق وتوحيد المواقف السياسية لدوله المكونة, فما هي وضعية الصين؟, وهل هي واعية لما يخطط أمريكياً؟, وهل هي قادرةعلى اتخاذ إجراءات تجهض المشروع الأمريكي للسيطرة على العالم؟...الحقيقة أن أسئلة عديدة من طلاب عديدين في كلية العلوم السياسية تمحورت حول ذات النقطة تقريباً, لكن الدكتور قدري جميل لم يمنح الوقت الكافي لتقديم إجابة وافية على هذه الاسئلة, ما دفعنا إلى الالتقاء به في الأروقة لمعرفة تحليله لما يتخذ من مواقف دولية من قبل الدول المنافسة للولايات المتحدة, والغريب أن الدكتور جميل الذي أقر بعجز معظم القوى الدولية عن مواجهة المشروع الأمريكي, أكد أن الصين وضعها مختلف فهي قادرة على اتخاذ إجراءات قوية قد تعيق أو حتى تجهض المشروع الأمريكي, وهذا هو السبب في التساؤلات العديدة المثارة حول أسباب مواقفها الدولية المتساهلة مع انتشار وتوسع أطر الهيمنة الأمريكية, وقال الدكتور جميل: أن الصينيين يظنون أنهم مركزالعالم, وهم ينتظرون حتى العام 2010 ظانين أنهم حينها سيصبحون على مقدرة اقتصادية وعسكرية وتكنولوجية عالية تؤهلهم كي يصبحوا قوة عالمية موازية للولايات المتحدة, لكن الدكتور جميل نفسه أكد أن الصينيين خاطئون في تقديراتهم لأنهم إن لم يتحركوا الآن فإنهم سيجدون ثروة العالم النفطية في العام2010 في قبضة الامريكيين الذين سيتحكمون حينها بالأسعار وحتى بالجهات التي سيصدر إليها النفط, وبالتالي فإتها ستتحكم بالصين بالضرورة...
لقد ركز الدكتور قدري جميل على أهمية استثمار الإرادة الشعبية في مواجهة المخطط الأمريكي, وإن كنت أظن أننا لم نبذل بعد جهداً كافياً لفهم أبعاد الموقف الصيني أو توضيح الصورة لهم إن لم يكونوا على دراية كافية, فما فائدة الإرادة الشعبية إن تحققت وإن تصالح الشعب والسلطة وتكاتفوا معنا, هل هذا كافي لإعاقة المشروع الأمريكي, الذي هو مشروع وجود أو انهيار بالنسبة لهم؟...
أسئلة تحتاج إلى بحث أكبر, لكن صلب هدفنا من هذا العرض, أن نقدم لقراءنا صورة عن الطروحات والأجواء التي سادت في المؤتمر المذكور, إذ لاحظنا اهتماماً واضحاً من قبل النخب العسكرية السورية, ومساعي جلية للتعاون مع المثقفين السوريين والعرب بهدف فهم أبعاد الواقع الراهن والاحتمالات الأكثر ترجيحاً في المستقبل القريب, والأساليب الأمثل للتعامل مع هذا التحدي..ويبقى أن نذكر أنه كان من بين المتحدثين الهامين في هذا المجال اللواء يحيى سليمان مدير كلية الدفاع الوطني الراعية لهذا المشروع, والذي أكد استيعاب قيادة القوات المسلحة لأبعاد التطورات الراهنة, وأن المطلوب الاعتماد على نظرية المقاومة الذي أكد عليه عدد من الباحثين, الأمر الذي يتطلب توحيد الصفوف الداخلية كخطوة أولى, ومن ثم إعداد الجماهير الشعبية للمقاومة, وتدريب نخب منهم على أساليب المقاومة الشعبية وفنونها.
وأخيراً نذكر أن كلية الدفاع الوطني برئاسة مديرها اللواء يحيى سليمان قد أعدت جلسة مغلقة للمحاضرين خلال المؤتمر بهدف إجراء ما يسمى بعملية "عصف الأفكار" وهو أسلوب أمريكي تتم فيه مواجهة عدد من المفكرين, ثم تتم إثارتهم عبر الطعن بمصداقية أفكارهم وصواب تحليلاتهم, وضربهم ببعضهم, ثم ترك المجال كي تأخذ المجادلة بينهم مداها, بحيث تنتصر في النهاية الأفكار الأكثر مصداقية وقوة, وهي الأفكار والاقتراحات التي سترشح بعد كل ما طرح على أنها الأفكار الأكثر قوة ودقة..مما يعني أن القيادة العسكرية باتت تستخدم أساليب علمية متطورة بهدف ترشيد اتخاذ القرار.
والحقيقة أن المخاطر باتت جمة والتوقعات ربما متضاربة, وحان الوقت كي نتعلم كيف نطرح جميع الاحتمالات ونتعلم التخطيط لمواجهتها دون حصر أذهاننا في إطار معين أو باتجاه واحد, الأمر الذي يتطلب منا اتخاذ خطوات جدية على كافة الصعد, على صعيد المصالحة الوطنية الداخلية وهو أمر ضروري, وعلى صعيد التحضير لمقاومة قوية ومدروسة, والعمل على تفعيل جهودنا الدبلوماسية, والمحاولة مع دول كالصين عبر توضيح أهمية منطقتنا بالنسبة لها, والوضع السيء الذي ستؤول إليه هذه الدول, في حال اكتمال المشروع الأمريكي في المنطقة, إلى جانب ضرورة إعادة النظر في لغتنا الإعلامية التي أثبتت فشلها في الأزمة الراهنة, وخاصة مع ما نلحظه من أهمية للإعلام ودوره في التأثير على صناعة القرار في أي بلد في العالم, ويبقى أن أذكر في هذا المجال مقولة لأحد علماء السياسة, أن لدى صانع القرار أياً كان حساسية كبيرة تجاه ما تقوله وسائل الإعلام.
إياد الجعفري - سيريا نيوز
خيارات
صفحة للطباعة
أرسل هذا المقال لصديق
__________________
abo adonis
|