القديس الغامض......... | | كانت موجة من التصفيق الحاد تسري بين صفوف المشاهدين بإحدي المدارس البولندية عقب انتهاء عرض مسرحية مدرسية بطلها فتي صغير لفت أنظار الجميع بموهبته الفنية العالية. كان الجميع يتنبأ له وهو علي رأسهم بمستقبل تمثيلي مبهر ولكن سرعان ما تبدلت الأحوال وبدلا من انخراط هذا الفتي في المجال التمثيلي إذا به ينخرط في المجال الديني والكنسي ليصبح واحدا من أكبر وأشهر رجال الدين الكاثوليكي في العالم أجمع بل إنه أصبح أصغر بابا في العالم إنه البابا يوحنا بولس الثاني بابا الفاتيكان.
يوحنا بولس الثاني ليس هذا هو اسمه الحقيقي بل إنه لقب به عقب تعيينه خلفا للبابا يوحنا بولس الأول الذي مات فجأة عام1978 عقب انتخابه بـ33 يوما فقط أما الاسم الحقيقي للبابا فهو كارول جوزيف فويتولا وهو من أصل بولندي ولد في18 مايو عام1920 بقرية فادوفيتش الواقعة في جنوب البلاد. عاش كارول في كنف أسرته حيث كان والده ضابطا إداريا بالجيش النمساوي قبل أن ينتقل إلي الجيش البولندي بينما كانت والدته تعمل بالتعليم وكان له شقيق يكبره بأربعة عشر عاما.
كان كارول يعشق الرياضة تحديدا كرة القدم والسباحة والتزلج علي الجليد أما عشقه الأكبر فكان للتمثيل الذي برع فيه لدرجة أنه كان أحد الأعضاء الرئيسيين بفريق التمثيل بمدرسته الأمر الذي لم يعجب والده علي الإطلاق إذ كان يريد له الانخراط في الحياة العسكرية مثله أو علي الأقل يتجه إلي أحد المجالات الدراسية الجادة بدلا من هذا الهراء والذي لم تكن تتفهمه وتستوعبه سوي والدته والتي شاء لها القدر أن تموت مبكرا تاركة كارول وحده مع والده وشقيقه والذي توفي هو الآخر تاركا أثرا نفسيا سيئا في نفس كارول.
في تلك الأثناء كان والد كارول يعده ليصبح عسكريا مثله خاصة بعدما أخضعه لبعض التدريبات الناجحة في أواخر الثلاثينيات في المجال العسكري أي مع بدء الحرب العالمية الثانية عندما كانت بولندا ترزح تحت الاحتلال النازي عقب اجتياح الدبابات الألمانية لها لم يكن كارول في قرارة نفسه مقتنعا بضرورة تنفيذ رغبة والده في الانخراط في العمل العسكري لذلك فرغم نيران الاحتلال النازي التي كانت تلف البلاد إلا أنه أصر علي الجمع بين الدراسة والتمثيل الذي يعشقه ولأنه كان يجب عليه البحث عما يقتات به فلقد امتهن وظيفة تكسير الأحجار التي كانت تدر عليه عائدا بسيطا.
كان أقصي طموح كارول أن يصبح ممثلا محترفا خاصة بعد دراسته للأدب ولكن ذلك لم يمنعه من الالتحاق بعضوية التنظيم الديمقراطي السري والذي كان أحد أعضائه النشطين خاصة عندما كان يساعد المسيحيين في العثور علي ملجأ يحتمون به من الجحيم النازي.
استمرت حياة كارول علي هذا المنوال لمدة عامين حتي جاء عام1941 وتعرض لحادث سير غير مجري حياته كلها إذ قرر بعد شفائه الانخراط في سلك الرهبنة تيمنا بالقديس البولندي ألبرت آدم شميلوفسكي الذي تخلي هو الآخر عن عشقه للفن مقابل حبه للأعمال الكنسية والكهنوتية القائمة في جزء كبير منها علي مساعدة الفقراء.
كان كارول يدرس علم اللاهوت سرا بدءا من عام1942 ولكن عندما اشتدت القيود النازية علي التعليم الديني في بولندا وفوجئ كارول باختفاء العديد من أصدقائه وراء قضبان معسكرات الاعتقال النازي اضطر للاختباء مع مواصلة دراسته اللاهوتية إلي أن أصبح قسا عام1946
اضطر كارول بعد ذلك إلي الذهاب إلي روما لاستكمال دراسته بعد الحرب وهناك انخرط في الحياة الكنسية وتدرج بين مرتباتها وبعد أن كان قسا أصبح أسقفا ثم رئيس أساقفة ثم ممثل الجماعة الأكليريكية إلي أن جاء عام1967 ورفعه البابا بولس الخامس بابا الفاتيكان في ذلك الحين إلي منصب كاردينال وقد جاء هذا التنصيب بعد عامين فقط من زيارته للأماكن المسيحية المقدسة في فلسطين.
ومنذ تولي كارول لمنصب كاردينال بدأت موهبته البلاغية في الظهور إذ بدأ يكتب العديد من القصائد الدينية والتي كان أشهرها علي الإطلاق قصيدة' صلوات عيد الفصح' فضلا عن العديد من المؤلفات الدينية التي كانت أحد أهم الأسباب في ارتقائه المناصب الكنسية.
ظل الكاردينال كارول في هذا المنصب أحد عشر عاما حتي جاء عام1978 وتم انتخاب البابا يوحنا بولس الأول ولكن لم يكد يمر33 يوما علي اعتلائه الكرسي البابوي حتي وافته المنية واجتمع الكرادلة لمدة ثلاثة أيام لاختيار البابا الجديد والذي كان من نصيب الكاردينال كارول الذي عرف بعد ذلك بالبابا يوحنا بولس الثاني.
لم يكن من السهل التوصل بسهولة لاختيار البابا الجديد فالصراع علي السلطة أمر حتمي ومعروف في كل مكان حتي لو كان صراعا دينيا علي السلطة البابوية والغريب أنه تم انتخاب الكاردينال كارول بمنتهي السهولة رغم أنه يعد أول رجل غير إيطالي يصل إلي هذا المنصب منذ450 عاما الأمر الذي جعل البعض ينظر إليه علي أنه غريب ودخيل علي المنصب ولكن هذه النظرة سرعان ما تبدلت بعدما عرف الفاتيكان منذ تولي البابا عهدا جديدا من البابوية فبعد أن كانت وظيفة البابا مقتصرة علي الشئون الدينية لدرجة التقوقع علي نفسه داخل صومعته أصبح الأمر مختلفا علي يد البابا يوحنا بولس الثاني الذي زار مشارق الأرض ومغاربها الأمر الذي جعله عرضة لمحاولة اغتيال فاشلة علي يد شاب تركي مسلم هو محمد علي أغا وذلك عام1981 في ميدان سان بيتر عندما كان يتهيأ لإلقاء محاضرته وكانت قد أسفرت هذه المحاولة عن إصابة البابا ب16 رصاصة أبقته في المستشفي أكثر من شهرين ونصف الشهر قبل أن يتعافي. الطريف انه بعد عامين من هذه المحاولة قرر البابا زيارة محمد علي أغا في سجنه معلنا أنه قد صفح عنه.
لم تغير هذه المحاولة شيئا قط من أهداف البابا الشئ الوحيد الذي جد عليه هو اقتناعه بضرورة ركوبه العربة البابوية الشهيرة ذات الزجاج المصفح والتي يقف البابا بداخلها لتحية محبيه أما زياراته فقد ظلت كما هي ولعل أهم زيارة قام بها فور توليه البابوية هو زيارته لمسقط رأسه بولندا التي كانت لا تزال ترزح تحت الحكم الشيوعي وكانت هذه الزيارة هي أول زيارة بابوية لدولة شيوعية ولكن هذه الزيارة بذرت بذور الثورة التي عرفت النجاح بعد عشر سنوات من هذه الزيارة والتي كان لها عظيم الأثر في إنجاحها.
عرف البابا بعد ذلك بأنه رجل أفعال لا أقوال خاصة وأنه شهد العديد من التغيرات والانقلابات السياسية في العالم ولعل أشهرها سقوط الشيوعية في شرق أوروبا وانهيار الاتحاد السوفيتي وسقوط حائط برلين وأيضا نهاية التفرقة العنصرية في إفريقيا ولعل زيارته لجنوب أفريقيا في سبتمبر عام1995 تعد من أشهر وأهم زياراته خاصة بعد مصافحته الشهيرة للرئيس والزعيم الإفريقي نيلسون مانديلا. لم تقتصر زيارات البابا علي مناطق بعينها وإنما زار مناطق كثيرة مثل مصر وسوريا والأردن وموريتانيا كذلك كانت هناك زيارات لفرنسا والولايات المتحدة الأمريكية وكوبا وغيرها. إلا أن أهم زيارة قام بها البابا هي تلك التي وصفها بأنها حج إلي الأرض المقدسة والتي تمتد من النيل إلي الفرات الأمر الذي يتطابق مع المطامع الصهيونية! ورغم الغلاف الديني الذي اكتسبته الرحلة إلا أنه في واقع الأمر لا يمكن فصلها عن الدور السياسي المنوط به البابا خاصة وأنه جاء في ظروف دولية صعبة كان للسياسة الدور الرئيسي في إصدار القرارات فمع انهيار الشيوعية في الشرق واندلاع الثورة الإسلامية في إيران لم يجد الساسة في البلدان الغربية بدا من دعم رجل الكنيسة الكاثوليكي الأول عسي أن يستطيع مواجهة هذا التيار الإسلامي الجارف فضلا عن دعمه لموقع الكنيسة في البلدان الشيوعية السابقة لذلك جاءت زيارات البابا مغلفة بطابع ديني في حين أنها مفعمة بالسياسة سواء كانت هذه الزيارات لدول ذات كثافة مسيحية عالية أو كاثوليكية محدودة مثل تلك الموجودة في الدول الإسلامية.
ربما ما لا يعرفه البعض عن بابا الفاتيكان هو أن معظم مواقفه الصارمة تجاه العديد من القضايا مثل الإجهاض والشذوذ والعلاقات غير الشرعية كانت تقابل دائما بموجة من الاستهجان والسخط من قبل المجتمع المسيحي الراهن لدرجة تزايد عدد المنشقين من رجال الدين عن الكنيسة في بلدان كثيرة لعل أشهرها فرنسا وألمانيا علي الرغم من المحاولات المضنية التي كان يبذلها البابا لإحداث التقارب بين الكنائس المختلفة والتي قوبلت أحيانا بفشل ذريع مثلما حدث في الكنيسة الشرقية.
ورغم ما يبدو ظاهريا من أن البابا قد أدخل تطورا تاريخيا علي تأثير الكنيسة الكاثوليكية علي السياسات المتخذة وعلي مسألة صنع القرار نفسه إلا أن الواقع يؤكد أنها لم يكن لها التأثير الكافي علي تغيير السياسات الخاصة بالحرب وقضايا الأمن والتسلح ولعل معارضة البابا لمسألة حرب العراق مثلا أو الصراع العربي الإسرائيلي لم تخرج عن كونها مجرد حبر علي ورق أرادت به الكنيسة حفظ ماء وجهها بالمطالبة بالسلام الذي طالما دعت إليه وليس أدل علي ذلك من مواقفها كمتفرجة علي عمليات ذبح المسلمين في شتي بقاع الأرض والتي زارها البابا ورآها بعينه مرارا وتكرارا في زياراته المتعددة التي قام بها رغم ازدياد متاعبه الصحية بسبب إصابته بالشلل الرعاش والتهاب المفاصل فضلا عن العمليات الجراحية المتعددة التي قام بها لينتهي كل ذلك بوفاته الأسبوع الماضي تاركا لنا كاريزما لن نستطيع أن ننساها وتجعلنا نتساءل من الذي سيخلفه وهل سيتمتع بنفس التأثير والجاذبية؟ |