[align=justify]
إن مشتانا الحلوة تقع على الطرف الشرقي من البحر الأبيض المتوسط في منطقة جبلية واقعـة على سفوح جبال اللاذقية في الطرف الجنوبي الغربي منها وعلى ارتفاع بين ( 600 ـ 700 ) متراً . مناخها متوسطي ، صيف طويل ومعتدل ، وخريف قصير ومعتدل ، وشتاء طويل ومعتدل أيضاً يتخلله فترات مناخية قاسية ، ويأخذ هذا الشتاء قسماً من الخريف والربيع .
يبدأ موسم الأمطار في 15 أيلول أحياناً ، ويمتد حتى أواخر شهر أيار تقريباً ، وهذا ليس ثابتاً وإنما هو متغيّر بين عام وعام آخر في كمية الأمطار ومعدلاتها ، وفي درجة الحرارة ومدتها ومعدلاتها ، وفي عناصر الطبيعة من البرد والثلج والجليد ومدتها ، وكلها عناصر غير ثابتة والشائع عند الناس أن الشتاء طويل وقاس ، ويقولوا لبعضهم البعض : في شهري كانون الأول والثاني " في بيتك كِنْ " أي اهدأ واستقر حول كانون النار في بيتك ، ولا تخرج منه لئلا تعرّض نفسك للهلاك في العواصف ، والثلوج ، والطوفان .
والشائع عند الناس قولهم عن شهر شباط " مهما شبط ولبط بيضل فيه ريحة الصيف " أي رغم وقوعه في وسط الشتاء تظهر فيه الشمس لفترة قصيرة أو طويلة ، تجلب الدفء وتبعد قسماً من برودة الشتاء وقسوتها ، ويضع العجائز على مداخل بيوتهم رسم شَبَحُ إله الموت الذي يأخذهم في هذا الشهر ، ويسددوا إصبعي يدهم في عيني هذا الشبح ، ويفقؤها حتى لا يبصرهم ولا يأخذهم معه إلى الأبدية .
والشائع عند العامة عن شهر آذار كان يقال " خبّي حطباتك الكبار لشهر آذار الهدار " أي رغم وقوعه عند أواخر فصل الشتاء ، لكن عناصر الطبيعة غير ثابتة ، ولا مستقرة ، ويمكن أن تحمل بين طياتها البرد والمطر ، وحتى لا يُغْدَرْ الإنسان بما لم يحسب حسابه ، فإنه يوجب الحيطة والحذر تلافياً للمشاكل والأقدار ، علماً أن 21 آذار هو مدخل فصل الربيع ، وإن شهر نيسان يقف على أعتابه ويبدأ الحوار بين شهري آذار ونيسان
فيقول آذار : " أنا آذار الهدار ، أبو الزلازل والأمطار ، فيِّ الراعي وعَصَاتو ، ما بيعرف باب الدار " .
فيرد عليه نيسان بقوله : " أنت بآخر المشوار ، وليس لك اعتبار " ، إني حامل بين جوانحي عيد الأزهار ، عيد الخصب ، والنمو ، والاستمرار ، إني حامل بين يدي الدفء والحنان والاعتبار ، إني حامل على رأسي أشعة الشمس الدافئة والنسيم العليل ، والأمطار الناعمة التي تغسل أقدام الأرض وما عليها ، إني أنفض عن كاهلك شيخوخة الشتاء الراحلة ، وثيابها السميكة الداكنة ، وَأُلْبِسُ ربيعي الطلق الثياب المزركشة المنسوجة من شتى أنواع الأزهار .
فأجابه آذار قائلاً : لا تقطع هذا الأمر ، وتعتبره نهائياً . إنني أُذكرك ببَرَدي القاسي الذي يضرب الأزهار والأثمار .
فيرد نيسان : سمحت لعناصر الطبيعة بالانطلاق ، واعْتَبِرْها يا آذار كذبة ، ولكنها كذبة بيضاء تبشّر المخلوقات الحية بالإشراق ، والكذبة ملح الطبيعة .
فأجابه آذار : وإذا فسد ملح الطبيعة فبماذا يملّح ؟!
أجابه نيسان : بملحٍ يفرش الأرض بسطاً سندسية خضراء ، مزركشة بشتى أنواع الأزهار وبتغاريد الطيور الصادحة مع فرح الطبيعة .
وتؤكد ذلك أغنية فيروز " تعى ولا تجي وكذُب عليِّ ، الكذبة مش خطية " وهكذا بدأ الناس يكذبون على بعضهم البعض في أول نيسان من كل عام كما كذب نيسان على آذار مع أن الكذب حالة اجتماعية ممقوتة ومكروهة . لكن هذا الكذب الأبيض مقبول ومبرر وتأخذ الكذبة ألواناً مختلفة ، من شد الأعصاب بين مخترع الكذبة ، وبين المكذوب عليه . لكن هذه الأزمة لا تطول بل تزول بسرعة وتنتهي بجلاء الكذبة ، والضحك ، والهيصات .
ويتذكر الناس أن هذا اليوم هو الأول من شهر نيسان تخترع فيه الأكاذيب الظريفة كما جرى الكذب بين شهري آذار ونيسان
مشتى الحلو في 1 / 4 / 2005
الدكتور جورج
حنوش
[/alig
n]