د. اياد قحوش
عندما كنت صغيرا في بلدتي الجبلية مرمريتا ,كنت أستيقظ على أصوات باعة الخضراوات والفواكه والبقول , وهم يصرخون من خلف حميرهم أو بغالهم : بندورة ,خيار , بصل, عرانيس , أو تفاح , انجاص , مشمش .. وغير ذلك . لكن أكثر ماكان يلفت انتباهي كان باعة الجبس ,اذ كانوا ينادون : الشرط عالسكين ياجبس . وبالتالي لاحاجة للزبون أن يستعرض خبرته بالجبس الجيد والأحمر الشهي بالنقر على الجبسة من الخارج, أو بخبطها براحة الكف , أو برجها قليلا ومن ثم لصق الأذن عليها .اذ أن الزبون مع باعة الشرط عالسكين , يكفيه أن يختار الجبس ويقوم البائع بشق الجبسة بسكينه الصغيرة , ليطمئن الشاري بأن جبسته حمراء . واذا كانت بيضاء فيعتذر من الشاري بلطف ويرمي بالجبسة بعيدا مرتاح الضمير تجاه الزبون والضمير والله .
"الشرط عالسكين " كان في زمن جميل , زمن كان فيه الناس يكرهون الكذب والغش والخداع . زمن كان فيه العيب عيبا وكان للناس شرف . في هذه الأيام , كل شيء قد تغير . وأصبح " الشرط عالسكين " تشكيكا واهانة وعيبا أيضا .
فهل كل مانقرأ ونطالع في الصحف , أومانسمع ونرى في التلفيزيون صحيح ? وان كان صحيحا , فهل هو كل الحقيقة أم جزء سمح به لغاية ما?
لقد تشابكت خيوط الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية فماعدنا نملك القدرة على رؤية الحقيقة أو حتى تلمس طريقها .
فالتاريخ أصبح تواريخا , والأبطال هنا مجرمون هناك , والفنانون قدوة المجتمع في جانب وفاسقون في الجانب الآخر , و الأدباء نخبة المثقفين برأي البعض و سماسرة كلمة برأي البعض الآخر . وأصبح من المستحيل التمييز بين المتدين والمتعصب , وبين المذنب والبريء , وبين الصادق والكاذب , وبين الظالم والمظلوم . وأيضا من الصعب التفريق بين التقليد والأصلي , وبين الحقيقي والمزيف , وبين الشاعر والناثر , وبين المطرب والراقص , وبين الجمعيات الخيرية وجمعيات النصب والاحتيال , وأحيانا بين الرجل والمرأة .
زمن عجيب والله ! اذ أن آلاف الدرر المبيعة على أنها أصلية وحقيقية هي مزيفة , وآلاف الدواوين المنشورة هي لشعراء يدعون كتابة الشعر الحديث وهم لاعلم لهم بأوزان الخليل , وآلاف الأنباء التي نسمعها يوميا هي أخبار ملفقة ومفبركة , وآلاف المنظمات التي تحمل أسماء حركات تحررية هي واجهة للرجعية والاستبداد,وآلاف الأدوية التي تباع للمرضى هي خلبية لافائدة منها.
فأغنياء هذا العالم يحاولون اقناعنا أنهم جنوا ملايينهم من عرق جبينهم , ويشتكي الفنانون من سهر الليالي و وعورة طريق الفن ويتأففون من أشواكه وهم غزاة بيوتنا وجيوبنا وسهراتنا , ويتململ نجوم الشاشات من لقب مذيع أومذيعة لأنهم كما يدعون اعلاميون, وتعترض عارضات الأزياء على تسميتهن فهن فنانات, وكذلك كتاب الأعمدة في المجلات والجرائد فهم أدباء مبدعون .
وأصبح من الصعب معرفة الاسماء الحقيقية , والشهادات التي يحملها البعض فلقب دكتور يعطى مجانا ولقب أستاذ يوزع باستهتار ولقب موسيقار جاهز مع اللحن الأول .
يحيرني ضجيج هذا العالم , وهرولة الانسان الى الأضواء والضوضاء , ثم الشكوى من قلة الراحة وفقدان الأمان .
يحيرني جنون البشرية بالأسماء والألقاب الطنانة , ولهاث الجميع لعمليات تضخيم الذات .
عالمنا الآن عالم متورم بالزيف ومملوء بالرياء . عالم أتخمته الأنا وأفرغه التزوير .عالم محقون بالمضادات الحيائية ,ومنفوخ بريح البهورة , ومستهلك بعمليات شد الجلد وتكبير الشفاه . عالم الاكثار والاكبار بكيماويات الاعلام والمال والسلطة .
ورزق الله على أيام " الشرط عالسكين يا جبس" وعلى بساطة انسان ذلك الزمان.
أتراني سأخرج عن طوري وأركض خلف خطوط الطول والعرض وأبشر بعالم " الشرط عالسكين " عالم الصدق والشرف , قبل فوات الأوان ?