د. اياد قحوش
بعض ذكرياتنا أسرار , تطفو الى أسطح أذهاننا أحيانا , ربما لأنها تحتاج لعملية التركيب الضوئي خلال مراحل دورة حياتها,فتمد رأسها لبرهة ,تشغل البال , ومن ثم تلملم خيوط شرنقتها , وتختفي تحت شراشف الخجل والحياء. أو لأنها تمل الاختباء تحت أسرة الكبت فتخرج طلبا للهواء, لتعود بعدها الى أبواغها المطمورة بين زحمة أوراق الخريف .
ذكريات قد تكون جميلة في زمن ما , و محببة في مكان ما , ولكنها ليست لكل زمان ومكان .
تبدأ هذه الذكريات بالترسب في طبقات العقل , راسمة شكل مستحاثات للأحداث التي نمر بها ,من اليوم الأول الذي نهجر فيه طفولة آدم وحواء ماقبل التفاحة , ولاتنتهي .
ذكريات نخفيها عن الأهل ونشارك بها الأصدقاء , وذكريات نخفيها عن الأصدقاء ونشارك الأهل بها , وذكريات نخفيها عن الأهل والأصدقاء معا.
وماهذه الذكريات سوى أسئلة تجول بخاطرنا ,تدخل الينا عبر بوابات الحواس, نروضها مرات , وتقتحمنا مرات , فنجسدها تجاربا حين تسنح الفرص .
وكثيرا مانحاول تبرير بعض هذه الذكريات , فنسعى لاقناع أنفسنا بأنها ممر اجباري في منعرجات الحياة الوعرة . وكثيرا أيضا مانقوم بعمليات تجميل لها , أو عمليات شفط شحمها , لتبقى خفيفةالوقع على غشاء طبلة الضمير .
ومن مفارقات هذه الذكريات أننا أحيانا نتأذى من تنويمها مغناطيسيا وأحيانا نؤذي غيرنا من فلفشة أوراقها . لكننا أيضا نتأذى مرات كثيرة لو تركنا لعابها يسيل أمام قوالب حلوى البوح أو قد يتأذى آخرون من مجرد ترك خيولها تهرول على ألسنة الناس .
هذه الذكريات ,هي أسرار , بسببها بعض المجرمين أحرار , وبعض الأبرياء في السجون . بها تسقط دول وأنظمة وبها ترتفع دول وأنظمة . بتأثيرها تهلك قبائل وعشائر وبتأثيرها أيضا تزدهر أمم وقوميات .
قد يكون التاريخ مليء بهذه الأسرار , على جميع الأصعدة الشخصية , والعائلية ,والعشائرية والأممية . وقد يكون ماهومكتوب عن حقبات طويلة من تاريخ المجتمعات والأفراد أقل من الحقيقة وأكثر من التزوير .
السؤال الأكبر الذي يحيرني هو هل سنقبل الحقيقة كاملة اذا ظهرت في يوم من الأيام ?
هل نحن على استعداد لتغيير أسماء عائلاتنا , وانتماءاتنا القومية والدينية والاجتماعية والثقافية والعلمية اذا ماظهر لنا أننا على خطأ ?
قد يكون من الأفضل لنا رمي هذه الأسئلة في سلة الذكريات المقموعة , لأننا غالبا ما نبحث عن الأسهل لا عن الأصح , وكثيرا مانرفض المجابهة ودائما مانرفض الاعتراف