إدارة موقع مشتاوي المحترمة
الأخوة والأخوات أعضاء الموقع الكرام
هذه سلسلة لأدباء وشعراء مغمورون ـ أي غير مشهورين ـ أتمنى أن تشاركوني بها لكي نعرِّف القاريء الكريم على بعض الأدباء والشعراء عير المشهورين في بلدنا الحبيب .
دائماً نكتب ونقرأ للشعراء والأدباء الكبار, ونفاخر بأننا نقرأ لجبران و ميخائيل نعيمة أو طه حسين ونجيب محفوظ أو إميل زولا وأندريه موروا وتشارلز ديكنز ...... وغيرهم, وشعراً نقرأ أبو تمام والمتنبي والأخطل أو خليل روكز وشحرور الوادي وموسى والزغلول ... ولا نبحث في زوايا مكتباتنا أو مكتبات السوق عن ديوان أو كتاب لشاعر أو لأديب غير معروف ونحاول أن نقرأه ... ربما نجد فيه قصيدة أو عبارات ممتازة توازي قصائد وكتابات العظماء من الشعراء والأدباء .
بين مجموعة من الكتب القديمة ... على أحد رفوف مكتبة كانت لوالدي ... وجدت كُتيّباً صغيراً اصفرَّت ورقات صفائحه ... أخذته بيدي ونظرت إلى عنوانه (( في ظلال الغار )) , لشاعر لم أسمع بإسمه في حياتي (( ميشيل صبّاغ )) , فتحت الصفحة الأولى وإذ بي أقرأ بأنه طـُبـِعَ شهر أيار عام 1947 .
بدأت بتصفحه ... وإذ به عبارة عن ديوان شعر حاول الشاعر أن يجمع فيه مرحلة من حياته عاشها في لواء اسكندرون (( إنطاكية )) كما كانت تسمّى قديماً ... إنطاكية ... التي كانت عاصمة الشرق القديمة ... إنطاكية ... أُم القصور والهياكل والأبراج ... إنطاكية ... مدينة الله العظمى التي تجلـَّت في روابي بيلان ومنتزهات دفنة وضفاف نهر العاصي وسفوح جبل سلبيوس المقدَّس
ويقول الشاعر ميشيل صباغ بأنه أطلق على ديوانه إسم (( في ظلال الغار )) ... لأنه كَتـَبَ معظم قصائده في تلك المعالم التي تظلل ـ أشباح الآلهة المنتشرة في كل مكان ـ شجيرات الغار التي تكسو آثار دفنة الجميلة ... وآثار العذارى اللواتي كُنَّ يرفلن بثيابهنَّ المزركشة خاشعات في الوادي المقدَّس أو وادي الغار على مدى الأجيال والدهور ...
لقد أثـَّرت فيه تلك المرحلة ... ولم يتمكَّن من نسيان إنطاكية بعد عودته إلى بلده اللاذقية إذ قال:
لا تـَلـُمني بذكرها أتباعــــــــا ـــــــــ مُذ رَشَفتُ الغرام بين ظِباها
عَلـَّمتني بها الحِسان حنينــــاً ـــــــــ لِلقاها ... وكَم أرومُ لقاهــــا
أرشَفتني بها الحِسان شُجُوناً ـــــــــ وهياماً ... فكيفَ أنْ أنساهـا
إلى نهاية القصيدة ... حيث يقول:
فـَسلامٌ ... إلى المدينة يُهْـدى ـــــــــ وسلامٌ على رُبُوع صباهــــا
وكَكُلِّ الناس الذين لهم قلوب ... فلقد داعب الحب قلبه ... وحرك مشاعره ... وعذ َّبه ولوّعه ... ورغم كل هذا قال بأنه لا يستطيع العيش بدون حب:
لـَئِن عِشتُ أيامي غريباً مُناجيا ــــــــــ وإن رُمتُ إغفال الغرام .. بَدا لِيَ
فلا بُدَّ أن أحيا ... بظبي عرفته ــــــــــ وهامَت به روحي ... فـَزادَ بلائِيا
ورغم عذابه في الحب ... كان عنده إيمان قوي إذ قال:
إن شَكَوتُ العيشَ ... لا أشكو النوى ــــــــــ أو شكوتُ الوَجدَ ... لا أشكو الجَوى
أنا ..... في الإيمان ..... والحب معاً ــــــــــ أتـَغـَنـَّى في الليالي ..... بالهـــــــوى
أنا روحٌ ..... في أفانين الشَّـجَر
وكان مجاهراً بحبه ... لا يخاف لوم اللائمين ... لأنه اعتبر نفسه منتمياً للحب وللحبيب إذ قال:
زوّديني بنظرةٍ مِنك أروي ــــــــــ ظمأي ... والهوى على الصَّب جائرُ
أنا للحب أنتمي ... وإليــكِ ــــــــــ فارحَمي لاجئاً ..... بحُـبٍ يجاهِـــــرُ
وحاول أن يبرر للناس حبه لمحبوبته .. وشدة تعلقه بها ... فوصفها بهذه الأبيات:
هي حسناءٌ ... بـِها البـِشرُ بَــدا ـــــــــ فـَشَدا الطـَّيرُ معانيها البهيّـــة
هي ظبيٌ ..... راتِعٌ في مُقـلتـي ـــــــــ هي نورٌ ... وبهاءٌ في البَريّـة
هي بَدرٌ .... ومَنالٌ .... ومُـنــى ـــــــــ هي روحي .. وحياتي الأبديـة
هي نجمٌ نـَيِّرٌ ..... في رَوضَـــةٍ ـــــــــ هي حُسنٌ يزدَهي كُـلَّ عَـشيّـة
هي إيماني وروحي ..... أبَـــدا ـــــــــ هي صَرحي في ظلام البَشرية
هي أُنسِي هي نفسي في الدُّنى ـــــــــ ما عَرفتُ الحُب ... إلاّ بالتحيّة
أنا أهـواها ..... وقـلبي مُولـَـعٌ ـــــــــ أنا مَفتونٌ ..... ولـَمْ آتِ فريّـة
ولقد لوَّعه الدهر ... ولطمته الدنيا كَكُل العاشقين في بلاد يعتبر فيها الحب عاراً ... فكتب يلوم الدنيا:
عَـذ ِّبيني ... قـَد آن وقتُ بلايــــا ــــــــــ رُبَّ يومِ ..... يكـون فيه رَدايـــــــا
عَـذ ِّبيني ... فالدهر عاتٍ ظـَلـُوم ــــــــــ والضَّحايا ... شَبابه والصَّبايــــــــا
إلى أن يقول في نهاية القصيدة:
ما عَـرفت الغرام .... غـير كَئيبٍ ــــــــــ قـَدْ نـَفـَضْتُ الهَوى ... وهذي يَدايا
كَثـُرَ اللائمون والمعاتبون له على جرأته في الإعلان عن حبه جهاراً ... فقال:
شَـكُوني لِرَبّي ... حين قـُلتُ عَـبَدتها ــــــــــ وقـَدْ جَـهلوا أنـِّي عَـبَدتُ بها رَبّــــــي
ألـَستَ إلهي ..... أنتَ صانِـعُ حسنها ــــــــــ وأنتَ الذي أفرَغتَ في قلبها .. قلبي؟
فإن أنا قـَدَّسْتُ ..... الذي أنتَ صانعٌ ــــــــــ فيا رَب عَـفواً! أين قـُل لي؟ هو ذ َنبي
وحاول جاهداً أن يفهم الناس بأن محبوبته أو ملهمته مميزة عن كل نساء الدنيا عندما قال:
لا وَدِيني ..... لا فـَتـاة ــــــــــ غـَير سَلمى
ترتدي أسمى الصفات ــــــــــ لـَيسَ وَهما
هي .. روحي والحياة ــــــــــ هي أسْمــى
من رآها ... هام وَجْـداً
وقضى العمر حَـزيـــن
لـَمْ يَرُمْ .. هَجراً وبُعـدا
هذه نبذة عن شاعر من شعراء بلدنا الحبيب ... تحية إلى روح الشاعر ((( ميشيل صباغ )))
عذراً على إطالة الموضوع ... ولكن لا يمكن أن نختصر حياة شاعر أعطى الكثير ... بأسطر قليلة ...
شكراً لكم ... وإلى اللقاء مع شاعر أو أديب آخر مغمور ... فهؤلاء هم (( التِبر المطمور تحت التراب ينتظر من ينقـِّبْ عنه ... ثم يلمعه ويقدِّمه للناس )).
لقد وَرَدَ إسم دفنة فرغبت أن أعَرَّف القاريء الكريم على دفنة
هي مدينة في لواء اسكندرون ... من أجمل أراضي سوريا ... جنـَّة الشرق القديمة ... أم القصور والهياكل ... ومَحَط ُّ رَحْل كل عظيم من عظماء اليونان والرومان.
ولقد شاءت أساطير الأقدمين أن تجعل هذا المكان المقدَّس مسرحاً لحادثة العذراء الجميلة
(( دفنة )) التي أحبَّها (( أبولون )) فهربت منه والتجأت إلى غابات هذا المكان وأدغاله ... غير أن الإله المغرم مازال يقتفي آثارها حتى عثر عليها أخيراً مختبئة بين أشجار الغار ... ولمَّا أيقنت أن لا سبيل لها للتخلـّص منه ... دَعَتْ واستغاثت إلى الأم الطبيعة قائلة ً:
إنشقـّي أيتها الأرض وابتلعيني وضمّيني إلى أحشائك ... أو حوّليني إذا شِئتِ إلى صورة أخرى,
وانزعي مني هذا الجمال الذي يعرّضني للعار... فاستجابت الأم الطبيعة إلى ندائها وحوَّلتها إلى شجر أزهاره ورديّة يسمى ( الدفلي ) ... ولم تزل شجيرات الدفلي تكسو منحدرات ومنعطفات ذلك الوادي بحلـَّة قشيبة من الأزهار والأوراق الخضراء.....
__________________ لـَيتني أستطيعُ أن أجعَـلِ قلبي هَيكَـلاً , ونـَفسي مَـذبَحاً , وعَـقـلي كاهِـناً. |