بقلم الدكتور إياد قحوش
عندما كنا أطفالا في المدرسة الابتدائية في مرمريتا, كان المرحوم الأستاذ عيسى اسحق يقضي معظم حصة الرياضة معنا في باحة المدرسة، تارة يشاركنا اللعب وتارة أخرى يكتفي بالمراقبة والارشاد. وكان كثيرا ما يشجعنا على الجري بقوله : هذه أعظم رياضة تحرك الجسم بأكمله وتنشط جميع الأعضاء و "ببلاش ". وكان أن لاحظ أن أحدنا ويدعى كميل كان أسرعنا فكان غالبا ما يصيح في الجميع: افتحوا الطريق لكميل, وكان كميل يتجاوب بشكل رهيب لهذه الاشارة من الأستاذ فيقفز الباحة الطويلة في عدة ثوان متجاوزا جميع أقرانه بحماس واندفاع شديدين.
لبنان هذا البلد العربي الصغيرهو كميل العرب. لم يكبرلبنان بمساحته ولا بعدد سكانه، ولا يملك آبار بترول و لا يمر فيه نهر النيل ولا يمتلك مناجم ذهب, انما يمتلك ما لا تمتلكه بقية الدول العربية ألا وهو كمون الطاقة المتجددة للنهوض والانطلاق, والنظر دائما الى الأمام والأعلى بعقلية منفتحة وارادة وثابة و طموح فريد.
من غير المعقول أن نطلب من لبنان الطفل أن ينجزعسكريا وسياسيا ما عجزت عنه الأمة العربية مجتمعة، برغم أننا لانستطيع الا أن نقف احتراما لرجولته في "هرس" أنف العدو الاسرائيلي بتصفيق منقطع النظير من الشقيقة, بينما كانت معظم الدول العربية تغرق في سبات أهل الكهف.
ما نستطيع أن نطلبه من لبنان هو أن يعود الى مسيرة ما قبل الحرب واعادة رسم وجهنا الجميل فتنطلق مراكب أغانيه في أنهار أسماعنا منشدة أبجدية الحب لتتراقص عليها برادي نوافذنا الفولكلورية على وقع نسائمنا الشرقية, وتشرق شمسه علينا بجرائد ومجلات تلون صباحاتنا بزهور الكلام المقطوف من جنائن الحقيقة، وتتماوج سهراته الفنية والشعرية والأدبية في عروق أشواقنا نحو النور كريات دم شبابية تمرجحنا مع الأحلام وترمينا على وسائد الطمأنينة أطفالا ضحكت للغتهم الحضارة وفتح التاريخ لهم أبواب القصور.
نريد من لبنان أن يستل صوت فيروز مرة أخرى ليخترق به صدر الظلام الذي أرعبنا لعقود طويلة، فاتحا لنا طاقة الأمل في مغارة البرد التي نسكنها منذ سنين فتجتاحنا فراشات الجمال وتهلل لعودتنا حمامات السلام, لتموج بنا مراكب الدهشة مابين بصرى الشام وبعلبك.
نريد من لبنان أن يرفعنا مع مواويل وديع الصافي الى قمة صنين الطرب, فنستمتع ببياض ثلج الرقي في الكلمة, وبشاشة سماء الخلود في النغم، وانطلاقة حياة الربيع في سقسقة جدول الأداء فوق جوع آهاتنا وحنيننا للشمس والمطر, لتتمايل مواويل مجدنا زهرا ينام في حضن حرمون وينهض بين يدي جبل عامل.
نريد من لبنان أن يأخذنا مع انسياب الدبكة ودلع الرقص الى بعلبك النشوة, لنلاقي صدى مناجل الحصاد, و ضحكات صبايا العين،و صفير المنجيرات، و هزة أكتاف شاب رفع القيمة و هم على المخل، و قعدة جدات على جرن الكبة أو لف طبق من القش أو سلة للعنب والتين.
نريد من لبنان أن يعود لذاته فيكبر عن الصغائر كما الشهماء وينسى جراحه كالكبار , ليعود ويطلق سهام حبه في قلوب العاشقين الصغار فتدمى ألقا و سموا و تسقط على ضفاف الأعالي نشورا قادما و جمالا خلابا.
بكل ما لدينا من قوة نقول أطلقوا العنان للبنان لنعود معه الينا ويعود معنا اليه, لأنه فينا ونحن فيه ومن شاهده فقد شاهدنا لأنه على صورتنا ونحن على مثاله.
افتحوا الطريق للبنان لينطلق فهو ولاشك أسرعنا.. وقد يقطع باحة الزمن بأسرع من غمزة عين سميرة توفيق.
بحبـــــــــك يا لبــــــنان ...