نضال معلوف
"هل فقدت الشعوب العربية إحساسها بالأرض والحرية والكرامة والانتماء .. ، ام أن الإرهاب العربي قد قهرها وجوّعها وروّعها وشرّدها سلفا أكثر بكثير مما فعلته وقد تفعله إسرائيل في المستقبل ..؟" ....أسئلة كثيرة طرحتها يا سيدي قبل أكثر من ربع قرن .. عندما كنا أطفالا نصطف في باحات المدارس ونردد الشعارات دون أن نفهمها ..
لم تفعل يا سيدي سوى انك زدت في حيرتنا حيرة ، لم تفعل سوى انك نقضت ما أثبته غاليليو ، حين برهنت أن الأرض من تحتنا ثابتة لا تدور ، فانا اقرأ كتاباتك فابكي واقعاً أعيشه اليوم بعد ربع قرن .. وكأن الزمان توقف عند كلماتك ..
أتعلم .. إنني في جزء مني أكرهك .. نعم أكرهك !!
لأنك وضعتني وكل عربي أمام المرآة وأزلت الغشاوة ( او ربما " الطماشة " التي يضعونها للدواب )عن عينيّ ، وأجبرتني على قراءة الواقع المرير .. فرأيت كم أنا بشع ، أسير ، ذليل ، لقيط .. لا وطن لي ولا كرامة ..
اغار منك لان ما كتبته منذ عقود لا استطيع أن اكتبه أنا اليوم .. فعقارب الساعة في بلادنا تمشي بعكس الاتجاه .. الحياة تبدأ عندنا من الموت .. فنولد امواتا متعفنين متفسخين ونصبح في سن الرشد هياكل عظمية ، تهزها الريح وتسكنها الغربان .. وتعزف عليها السنون نغمات الموت .. نحفّظها نشيد المستقبل للأجيال ..نصدّرها لهم ظلاما وآلاما ..
نحن اليوم يا سيدي إذا أردنا الكلام نستعين بكلماتك وإذا تألمنا نستعير صرخاتك .. وإذا اعتصر الأسى قلوبنا نبكي بدموعك .. نستخرجها من الكتب والمسرحيات .. ونلصق التهمة بك ونهرب .. " هو الذي قال " ..
نحن نسخة من الهزيمة التي سكنتك ، نحن نسخة من الحسرة التي اعتصرتك ، نحن جزء من خيبة الأمل التي نمت وكبرت فيك .. نحن الرماد الذي سقط منك بعدما انطفأت .. فكان الظلام أطول من سنين عمرك ..
ونزيد عنك جبنا ، ونزيد عنك خنوعا ، ونزيد عنك استسلاما ..
يا سيدي أمة العرب ما زالت مشغولة بحل " الكلمات المتقاطعة وتتابع المباريات الرياضية ، وتمثيلية السهرة " كما كنت تقول ، وزادت على مهارتها مشاهدة السيقان وهز الوسط والمسلسلات المكسيكية والأفلام الأجنبية والاشتراك في المسابقات .. وانتشرت ثقافة الاركيلة والـ " اس ام اسات " والايميلات والتشات ، وسلحنا شعوبنا بالموبايلات ونجحنا في إدخال البلوتوث والكاميرات حتى الى اكثر الدول العربية تشددا ومحافظة ..
واقسم لك يا سيدي بأن كل الذين ربحوا المليون مع قرداحي عرب .. ومنهم سوريون .. ولنا جنود أشداء في كثير من المعارك التي نخوضها بشرف في ستار أكاديمي و سوبر ستار والضيعة وسورفايفر والقلعة والفخ ..
ونمتلك اليوم من الرموز الوطنية الكثير .. أوبرا ، دكتور فيل ، نانسي عجرم وراغب علامة ، ماريا ، وهيفاء وهبة ، وميشو ، وطوني خليفة ، وبارود وابو جودة .. ياه ,, لو تعرف ما أكثر الرموز الوطنية في بلادنا العربية .. في عصر الرفاهية ..
وزاد في القضايا العربية قضية .. العراق .. ونعمل اليوم على لبنان .. ودارفور والصحراء الغربية .. فنحن نريد أن تتعدد الخيارات لنواكب العصر ونقضي على الملل .. والله مللنا من قضية فلسطين ، ويطالبنا اولادنا بقضايا جديدة ( مودرن ) وكيف لا فنحن ننادي بحرية الاختيار والديمقراطية .. وهذا لن يتحقق إلا بتعدد القضايا الوطنية والقومية ..
ولكني يا سيدي ما زلت عندما احمل " حقائبي المليئة بالخرائط والمستندات والرسوم التوضحية " وأتحدث إليهم "كفنان ، كخبير طاقة كأب ، كفلاح ، كعامل كتاجر .. كيميني او يساري ، كمزايد او معتدل ، عجوز أو طفل .. " لأثير " نخوتهم غضبهم مخاوفهم " .. ينظرون إلي كما كانوا ينظرون إليك منذ سنين " تلك النظرة الحزينة المنكسرة كغصن وينصرفون " .. متنهدين ..
اعتنقت مذهبك يا سيدي وفشلت .. فمذهبك مذهب الفاشلين في أوطاننا العربية ..
وأنا اخطط اليوم لامتلك مهارات أخرى .. غير تلك التي تعلمتها من كتبك وحفظتها في مسرحياتك .. سأدرب يديّ على التصفيق ، وأطلق لساني للمديح ، وأمرّن قدميّ على كل الرقصات من الدبكة في الساحات الى الفالس في الصالونات.
سأعلم العرب كيف يتنفسون شهيقا دون الزفير ، سأعلمهم ان يقهقهوا في المآسي ، ويضحكون في المآتم .. ويبتهجون في الهزائم .. ويتحركون بالريموت كنترول ..
وابيعهم الوصفة السحرية .. بان يغلقوا عقولهم ويحبسوا قلوبهم ويؤجروا ألسنتهم بأعلى سعر ممكن في البورصات .. ويعيشوا همومهم في الأسواق المالية مؤشرات تهبط وتصعد ..
سيعيشون يا سيدي .. ولا يهم الوطن ..
أما عن البكاء .. فليس عليهم سوى أن يكذبوا . .. ويخبروا حكامهم بان الدموع .. مجرد دموع فرح ..
وفاة الكاتب الكبير محمد الماغوط
سيريا نيوز