المهيري تبكيك يا مفيد
كما تفارق امها وردة البيلسان ، وتسقط على الأرض، وينتشر عبق عبيرها معطرا الأجواء ، هكذا فارقنا الدكتور مفيد موراني ، ورحل عن هذه الدنيا ، تاركا زوجة وابنتين طفلتين ، وتاركا الأهل والأقارب والأصدقاء ؛ وهو لا يزال في عمر الورود .
ومع رحيله؛ انتشر عطر عبير حياته الطاهرة ، وعبير اعماله وخدماته الانسانية على لسان كل من عرفه ؛ هذا العبير الذي تجلى في انسانيته ونبل اخلاقه في تعاطي مهنته ، وفي سيرته الحسنة التي امتدت زهاء ستة عقود .
رحل الطبيب الانسان، بما لهذه الكلمة من دلالة عميقة .
رحل طبيب الفقراء، الذي عاش مهنته رسالة لا غاية زهاء ثلاثين سنة .
رحل الزوج المثالي في رعاية امور عائلته ، والقريب الذي يعتز به اقرباؤه ، والصديق الذي يفخر به اصدقاؤه .
رحل الانسلن ذو الوجه البشوش دائما وأبدا ، وغاب عن الجميع سحر ابتسامته ، وعذوبة حديثه ، وانس وجوده ومجالسته .
رحل مفيد بعد معاناة مريرة مع مرض خبيث المّ به ، وكان عالما بما كان عليه وحاجبا علمه عن زوجته ، واهله ، وعن الجميع ، ومخفيا اياه في عمق صدره كي لا يحزن احدا ولا يتعب احدا بمشاركته المه ؛ الذي امتد ما يقارب الأشهر الستة؛ عاشها صبورا ، جلدا ، مبتسما ، مؤمنا بالله . لا يشكو ولا يتألم ؛ عاشها في بيروت ، وعاش آخر ايامها في قريته ، في المهيري ، اذ شاء أن يفارق الحياة حيث استقبلها ؛ في مسقط رأسه ، وفي البيت الذي استقبله طفلا .
لقد امضى الخيط الأخير من خيوط حياته في القرية ، ورفض العودة الى لبنان لاستئناف علاجه ، وحين ازداد وضعه الصحي سوءا ، وحاولت زوجته وأخوته نقله الى بيروت ، ولم يتمكنوا من ذلك بسبب الوضع الأمني فيها آنذاك، قال لهم على الحدود السورية اللبنانية: (( عودوا بي الى القرية ، ولا تذهبوا الى أي مكان آخر ؛ فهناك اريد أن ألاقي وجه ربي . )) وكان ذلك ؛ وعاد الى القرية ، واستمرّ يتحمل أوجاعه حتى جاد بنفسه ، وأسلم الروح وفارق الحياة بتاريخ / 14/آب /2006 على فراشه وفي منزله . وبتاريخ /17 /منه أقيمت له جنازة في كنيسة القرية ، تليق بانسانيته ، وقيمه السامية ، ثم ووري الثرى في مقبرتها وفي مدفن والدته ، وفي حضنها الدافىء .
رحمات لا حدود لها على روحك الطاهرة يا مفيد !!!!!!!!!
ان قريتك الصغيرة بتكويتها ، الكبيرة بكون عائلتكم الكريمة في طليعة عائلاتها ؛ هذه القرية ، تبكيك شيبا وشبابا وأطفالا ، اناثا وذكورا .
تبكيك منازلها التي كانت تستقبلك ضاحكا وفرحا ، تنادي اهلها ؛ كلا باسمه ليجالسك ، ويحادثك ، وليشرب معك القهوة او الشاي .
تبكيك اسطح هذه المنازل ؛ التي طالما حملتك تتنزه عليها مع ابنائها في الصباح وفي المساء ، وحتى آخر هزيع من الليل .
تبكيك زواريبها، التي تدين لك ولاخوتك ولأهلك ، بمعالم الحضارة التي تنعم بها.
تبكيك حقولها وبساتينها التي كم فرحت بزياراتك ، ورحلاتك اليها مع رفاقك .
يبكيك نهرها والينابيع الموجودة عليه ؛ من نبع سهلات عقل ونبع خمور ونبع الفوار امتدادا حتى نبع الشير ، والتي تحفظ لك صخورها جلساتك واضطجاعك عليها مع اصدقائك ورفاق عمرك ، كما تحفظ ثنايا هذه الصخور صدى نغمات الغناء الذي كنتم ترددونه فرحا بوجودكم عليها .
يبكيك مرضاها وأصحاؤها لما كنت تقدمه لهم من دواء وارشادات صحية تحفظ حياتهم .
تبكيك كافة معالم الحضارة فيها ؛ من مياه وكهرباء وهاتف وطرقات وخدمات صحية ؛ لما لك ولأهلك من فضل في تنعم القرية بها .
يبكيك صيفها وأعيادها التي كنت وعائلتك تجعل منها مواسم فرح حقيقية فما كنا نحس الصيف الا بقدومكم ونودعه مع وداعكم .
وأخيرا ولا آخر ؛ تبكيك حارتاها ( الروم والموارنة )بكل ما فيها ؛ من بشر وشجر وحجر ؛ لما لك من ذكريات خالدة في قلوب ابنائها .
لقد كنا نمنّي النفس بقدوم الصيف والأعياد ؛ بأنك ستأتي يا مفيد وتملأ جنباتها فرحا
أما اليوم فبماذا نمنيها ؟؟؟؟؟
اننا نمنيها بأن طيفك باق معنا ... خالد فيما بيننا .. يؤانسنا ، ويسامرنا ، ويرفدنا بعلمك وحكمتك .....
فالى جنان الخلد يا مفيد .... ولن تنساك قوبنا الدامية . وستبقى ابتسامتك الساحرة خالدة في مخيلتي، ما دمت على قيد الحياة
المهيري / 14 – 17 / آب /2006
جرجس وديع الموراني |