كمال كرم
" بتشرب قهوة ؟ "
بهذه الكلمات تستقبلني عندما أزورها في أحد الصباحات ، أحب أن أشرب القهوة من يديها على الرغم من تقدمها في السن ، لقد تخطت الثمانين ، شعور متناقض ما أحس به : إنني سعيد لما هي عليه ، مازالت قادرة على خدمة نفسها وخدمة أبي ، ومازلت أشرب القهوة من يديها .
وفي ذات الوقت حزين ، ربما كان علي أنا أن أصنع القهوة . تبادرني بحديثها : " منيح اللي فطنت فيي " ، وتحاول تقبيلي ولكنني أبعد وجهي عنها " بعرفك مابتحب البوس " هي تعرفني كما أعرف نفسي ، لا أحب إظهار عواطفي ولا أحب البروتوكول ، هكذا أنا . نفس الجواب يصدر مني " إنني مشغول كثيرا " تضحك بسخرية " خمس دقايق بيعطلوك ؟ " فأحاول تغيير الحديث قاصدا عدم النظر إلى عينيها ، فنظرتها تعريني ، أسأل عن أبي . " الله يتحنّن نايم " تحسده على نومه ، أفهمها فقد بدأت تشكو من قلة نومها بسبب بعض الآلام القديمة التي تطورت .
أجيبها محاولاً إنهاء استرسالها بهذا الحديث " هل الركوة على النار ؟ " .
تذهب إلى المطبخ بخطىً متثاقلة وكلمة على لسانها تتفوه بها دائماً " مابعرف !!!" أما أنا فأعرف دلالات هذه الكلمة ، إنها عاتبة ولكنها لا تريد إزعاجي .
تغيب .... وتتركني جالساً أفكر بكلامها وبتقصيري تجاهها ، أنظر من النافذة ، أراقب المارة ولا أعرف وجوههم ، أجول بنظري ماسحا أشجار الزيتون على سفح الجبل الغربي . أسترجع من ذاكرتي بعض أبيات العتابا التي كانت تغنيها بنغم حزين ، وهي جالسة وحدها ، لم أعد أذكر الكلمات ، ولكن ما أذكره أنني كنت أبكي . "يلا الله ينام ابني يلا الله يحب النوم يلا الله يحب الصلاة يلا الله يحب النوم "صوتها جميل وحنون ، ولكنها لم تكن تجيد إلا الغناء الحزين ، كنت أسالها أحيانا لماذا لا تغني ما يفرحني ؟ !!! . تجيب " منان بدو يجي الفرح " . أجل من أين يأتيها الفرح . مات والدها ـ وهي لا تعرفه ـ في نهار غطى الثلج طرقات القرية ، وفي بداية شبابها ماتت والدتها ، وأخوها كذلك في عز شبابه " كان خالك ما بيفوت من هالباب ، ولما مات حصانو بكي عليه ، كان دركي عن إيام فرنسا .. نخوجي وكريم خيك يعيش وياكل عمرو بيشبهو كتير " وتختم حديثها " الله لا يوفق اللي كان السبب " . لا أعرف من تحمل مسؤولية موته . وأختها ماتت في ريعان شبابها وكذلك أخوها الثاني والثالث ، وفي أواخر عمرها ماتت ابنتها ، أذكر يوم وفاة أختي أنها نادتني وقالت لي " شوف بيك بدو يصبغ تيابو سود " أجل من أين يأتي الفرح .
تفوح رائحة القهوة في أرجاء البيت ، تظهر وفي يدها صينية صغيرة عليها ركوة وفنجانين فقط . تجلس بقربي ، تصب القهوة ، أراقب يديها ـ مازالت قوية بالنسبة لسنها ـ أحب طعم القهوة من يديها ، تصنعها كثيرة السكر ، ومع ذلك تسألني " بجبلك سكر اسا ؟ " تذكّرني " طول عمرك بتحب السكر كنت خبي السكرات عنك ، كنت تاكل السكر بالملعقة " وتضحك .
اشرب قهوتي وأتأملها ، كيف كانت : بنية قوية ، كنا نهابها أكثر من أبي فهي التي كانت ترعى شؤونا بغياب أبي الدائم بحكم عمله . كانت قاسية علينا ،. وماهي عليه الآن من ضعف ، باتت بحاجة لنا الآن ، تغيرت الأدوار ولكنني لست مثلها أبدا .
أسألها إذا كانت تريد شيئاً ، تقول " سلامتك مابدي شي منكن المهم تطلو عليي " .
المحامي كمال كرم