
11-05-2006
|
| |
:داياد قحوش
سألني ولدي الصغير وهو يتابع أخبار السي ان ان معي عن معنى الحرب . أدهشني سؤاله ليس فقط لأن الاجابة على السؤال تطول وتتشعب ولاتنتهي ولاتقنع, بل أيضا لأنه ردني بهذا السؤال الى تلك البراءة التي أنستنا اياها قرقعة الواقع التي عودتنا على رؤية الدمار والخراب والحرائق على شاشة التلفيزيون وكأنها أمور طبيعية وقد فقدنا حس الارتكاس لها وتعلمنا ألا نشمئز لرؤيتها .
كم تمنيت لو أن الحرب في عالمنا هذا شبيهة بالحرب في عالم أفلام الكرتون حيث لايموت القتيل ولا يدوم الدمار .
تركت ولدي نائما على سريره ووقفت على نافذة غرفته أرقب البحر الجميل وسماء فلوريدا الصافية كسماء بلادي ورحت أفكر بالاجابة .
ولكن قبل أن أغوص في معنى كلمة حرب حاولت أن أخلع عني كل الثياب التي ألبستني اياها ظروف الحياة الواقعية وسعيت جهدي لأن أفكر كالأطفال علني أفهم ماعجزت عن فهمه كالكبار .
الحرب اذن تنفذها فئة من الناس اختارت أن تكون في الجيش أو ربما أرغمت على فعل ذلك بالترغيب أو بالترهيب . تقوم هذه الفئة بالاستعداد للحرب بالتدرب على شتى أنواع الأسلحة والمتفجرات والأدوات التي صنعت خصيصا لانزال أكبر وأفظع الخسائر في الطرف المقابل . يصرف علماء ومهندسون الكثير من وقتهم لجعل هذه الأدوات الحربية أكثر فتكا واجراما . يتعلم أفراد الجيش الخداع ونصب الكمائن ويتدربون على دقة التهديف والاصابات المباشرة . وهكذا تكون حياة هؤلاء الأفراد مبرمجة على أن حياتك تتوقف على قتل الآخر . بدلا من أن تكون منصبة على محبته والسير معه في طريق واحد يؤمن للجميع الحب والسلام .
ولو سألنا من هو الآخر الذي يجب قتله لكان الجواب مخزيا حقا . الآخر في الحرب الأهلية هو جارك الذي أوصلك الى المستشفى عندما كنت مريضا , وهو في حروب دول متجاورة القريب الذي يشاركك مطر السماء وهواء الربيع , وهو في الحروب الدينية أخ لك صلى من معبده لنفس الهك طالبا الرحمة له ولجميع الناس . الآخر اذن هو ليس وحشا ولا مجرما اذ أن كل فرد هو الآخر للآخرين .
عندما أنظر الى صور الأرض المأخوذة من الفضاء لا أرى حدودا بين الدول بل أرى قطعا من اليابسة تفصلها بحار ومحيطات . لاتظهر الصور لون بشرتنا ولا تحدد ديننا ولا تميز بين قوم وآخر فالكل كتل بشرية تجري وراء رزقها في الصباح لتساهم في قسطها الصغير أو الكبير في دحرجة هذه الأرض الى الأمام , وعند المساء يخلد الجميع الى النوم كخراف متعبة .
اذن لماذا الحرب ?
فهذا الصاروخ الذي تطلقه من قاعدتك هنا سيسقط على رؤوس أفراد لاتعرفهم ولاقابلتهم من قبل ولا تستطيع أن تتخيل وجوههم . قد يكون بينهم شاعر مثلك اذا كنت تحب الشعر أو رسام اذا كنت تحب الرسم أو عازف بيانو اذا كنت تحب الموسيقى أو ربما فرد هاجر جد جده من بلدك أنت قبل أن نتقاسم الأرض ونحددها بالقضبان فكان هذا قريبك بالدم ولكنه ينطق غير لغتك وينتمي لغير قوميتك الآن .
يا أخي الحرب قتل أعمى يقوده رجال يجلسون وراء مكاتبهم ,وعلى حسب أوامرهم تتطاحن الجيوش وتتقاتل ويموت الآلاف وتتهدم المنازل والمؤسسات ويملأ الحقد قلوب البشر وتصبح الكراهية مشروعة . يموت الكثيرون من أفراد الجيشين والقادة لايموتون بل يحصدون الشهرة والأوسمة والمجد المزيف , ولايفوتك أنهم قد يتصالحون ويتقربون لبعضهم البعض تبعا للأهداف والسياسة ,فلاتستغرب أن ترى قادة حرب الأمس أصدقاء وحلفاء اليوم . ولكن هل يستعيد ذلك أرواح أفراد الجيشين الذين سقطوا في ساحة الحرب ?
في الحروب نسمع تعليق البعض عن معاهدة جنيف للحروب ومعاملة القتلى والأسرى . انه شيء مضحك حقا أن يحلل القتل ويمنع العبث بالجثث , ان يسمح باطلاق النار للقتل خلال تبادل القصف وأن يمنع تصوير الأسرى . ماألطف وأرق قلوب الذين يتباحثون ويتجادلون في هكذا أمور !!
تمحي خطوط النور شراشف الظلام بهدوء وسلام فلا الظلام يتمرد ويطالب جيوش العتمة بالاستنفار ضد النور ولايشمخ النور متباهيا بانتصاره الساحق لأنه يدرك أن الدائرة تدور ومصيره أن يأتي ويرحل ..
تتمايل الأحرف بخصورها فوق ساحات الصمت فلا الصمت يتململ من موسيقى الكلمات ولا الصوت يتعجرف على الصمت بذبذباته الرنانة التي تلغي حيز الصمت لحين لأنه يعلم أنه سيتعب بعد قليل وسيستريح على مخدة السكون ..
أما الحرب فلا رحمة فيها ولا رأفة فهي تدك قصور السلام بمنجنيق الكراهية وتأخذ بأسرى الخوف الى المقصلة ضاربة بعرض الحائط شهقات الزهور المتطلعة من تحت الأنقاض ليوم جديد تشرئب به من خندقها ورافضة أية وساطة من الشمس أو المطر فتنشر رائحة الموت وفطور الغدر وتزرع الأرض قبورا وخرابا .
أما السلام فكلمة نركض خلفها وهي خلفنا ,لأننا لن نجد السلام طالما نحمل الخناجر في أيدينا والشهوة في قلوبنا وحب السلطة في أذهاننا
أعود الى داخل الغرفة فأجد ولدي لايزال يغط في نوم عميق وعلى وجهه ترتسم امارات الطمأنينة والسلام . ماذا أقول لك عن الحرب ياولدي ? انها قصة الانسان التي لن تنتهي الا بنهايته ..
كل ما أستطيع أن أقوله لك أن الحرب عار وعار كبير على الجنس البشري ولكي أبسطها لك الحرب عيب من جملة العيوب التي لاأريدك أن تفكر بها . د. اياد قحوش
موقع مرمريتا أتمنى أن تنال اعجابكم
__________________ إذا لم تستطع أن تنظر امامك لأن مستقبلك مظلم ولم تستطع أن تنظر خلفك لأن ماضيك مؤلم فانظر إلى الأعلى تجد ربك تجاهك إبتسم... فإن هناك من... يحبك... يعتنى بك... يحميك ...ينصرك... يسمعك ...يراك...انه (( الله)) ما أخد منك إلا ليعطيك...وما ابكاك إلا ليضحكك...وما حرمك الا ليتفضل عليك...وما آلمك إلا لانه
يحبك |