على كأس من المحرمات ربطت حبل ذاكرتي وجلست أستعرض مجمل الطعنات التي تركت في ظهري ندبات مقززة . وبسبب من ضعف بصري وبصيرتي لم تستوضح عيناي تلك الندب الصغيرة ، أذكر أن ثمة أصدقاء مارسوا هواياتهم بقذفي لكني نسيت نعم نسيت ، حتى أني نسيت ما قذفت به ، وعلى كل حال إن كنت قد قذفت من قبلهم فليسامحهم الله ، خاصة وأن قلبي بات من فترة طويلة يفرشه البياض ولا أخفيكم سراً إن قلت أن ذلك قد حدث بعد أن صار قلبي يتلقى قذائف من عيار ثقيل جداً إذ ثمة مؤامرة أظنها تحاك ضدي ، نعم مؤامرة . وأولى هذه القذائف كانت بعض صور رأيتها في إحدى المحطات الفضائية عن أطفال يموتون بالجملة وعن شعب صار ــ حسب الإرادة الأمريكية ــ يتعفن . أحسست بالطعنة عندما أحسست بعجزي عن الفعل ، وثاني هذه الطعنات صفعني بها شخص يعمل في احدى هذه المحطات ــ رغم أنه لا يعرفني ولا أعرفه ، خرج إلي من شاشة التلفزيون حياني وعرض عليّ فيلماً عمّا يحدث في لبنان ، ثمّ فيلما عما يحدث في فلسطين ، ثمّ فيلما عما يحدث من تفجيرات في مختلف البلدان العربية ، ثمّ فيلماَ عن مئات الأسرى والقتلى ومختلف مجازر الذبح في العراق ، كيف قتلوا ؟ وكيف دفنوا ؟ ... صفعني بكل الذل الذي هبط عليهم وعليّ دفعة واحدة . سامحك الله ايها المذيع القاسي عديم الرحمة .. أنا لم أعرفك من قبل فلمَ لم تتركني مطمئنة إلى أن ( العرب خير أمة أخرجت للناس ) ، لمَ لمْ تتركني مطمئنة إلى تلك العروبة التي أنارت العالم بالعلم ، سحبت البساط من تحتي ونفضته في وجهي وجعلتني أختنق بغبار الذل والقهر ، صفعتني بجماجم أخوتي وقد هشمت سلاسل الدبابات رؤوسهم ، صفعتني بما جاهد الكثيرون لحجبه عن صفحات التاريخ ، أثرت زوبعة كشطت الرمال عن الكنوز الدفينة في اراضينا ، كنوز من هياكل عظمية وهياكل معدنية كنا نفاخر بعظمتها في دحر العدوان ، وجئتني لتقول في النهاية لي " بأي وجه سنقابل هذه الأرض " لقد جعلتني أحس بالطعنة عندما صفعتني بعجزي ، ولم يبق أمامي إلا هذا الكأس الأبيض كقلبي أرشف منه فيزيدني بؤساً وحزناً .
تنتفض أناي من قاعها مواسية معزية ، تدحض إحباطي ببطولات أطفال القدس ، فأشعر للحظة أن للكأس فوائد، لكن أناً أخرى من أسفل الذاكرة تنتفض ، تحدثني عن كذب الأولى وترفع الغطاء عن تاريخي المدرسي لتريني بركاً من الدماء ، وجثثاً وخيانات في تاريخي الواقعي ، أفرغ في جوفي نصف الكأس علني أطفئ لهيب الحوار قي أعماقي ، فتصفعني الشاشة ببيان القمم العربية .
ــ القمم تحيي أهلنا في الانتفاضة .
القمم تسفر عن نتائج مرضية
القمم تنتهي الى لا شئ .....
أنتفض لأهلنا الذين يتناقصون يوماً إثر يوم ، وانتفض لاهلنا الذين يعانون من الفقر والجوع والقهر والاستلاب ، أنتفض لعجزي عن فعل أي شئ سوى النعيق كالغربان وحيدة ، فتلج السكين في ظهري ويعاودني الإحساس بالعجز فأفرغ في جوفي ما تبقى من الكأس وأملأ كأساً أخرى . يتعاظم إحساسي بالمؤامرة ، تنهال الصفعات من كل صوب ... الشاشة تصفعني ، المذياع يصفعني ، القمة تصفعني ، وجودي كحشرة يصفعني ، عشرون " أنا " في أعماقي تصفعني . أفرغ الكأس الثانية في حلقي وأصرخ .. لا ... لا علاقة لي بما يجري ، بريئة أنا حتى من أناي . سأتطلق من العالم ثلاثاً وأحرق ذاكرتي ، قطعت حبل افكاري ورميته إلى الحاوية من شرفتي المطلة على مزبلة صغيرة على كثرتها من حولي. واتجهت بأحلام اليقظة الساذجة إلى صدر أدمنت البكاء على طحالبه مستعينة بجدران البيت كي لا أسقط ، قلت في نفسي " سأسقط بين ذراعيه ولو في أحلامي فهو الملاذ لكل أنواع السقوط " وقفت بين يديه ذليلة معتذرة :
ــ طهرني يا حبيبي فقد اتسخت ذاكرتي بكل انواع الدعارة الانسانية .
فتح لي ذراعيه وارتعشَ صدره الخافق حناناَ.، في مثل هذه اللحظة أضع العالم خلف ظهري وأختزل الدنيا داخل هذه الجدران الأربعة ، فأتسلق جبالها ، وأطير في وديانها ، وأسبح في بحارها ، وعلى شواطئها البيضاء أستلقي لأتطهر بشمسها .
نظرت في عينيه فأطلت منهما جميع مراكب الصيادين وسمعت صوت البحارة وهم يغنون : هيلا يا واسع .....هيلا ..هيلا ..هيلا ، تركت ليدي حرية إعادة اكتشاف تضاريسه ، زرعت أشجار القبلات في سهوله الآسرة ومنحنياته المشمسة ، زرعت ياسمين الشفاه في مشرق وجهه ومغرب عنقه ، كانت لحظة التوحد على بعد همسة واحدة ولحظة التوحد على بعد قبلة واحدة ، لكنما ثمة طعنة اخترقت ظهري ، التفت كان شيطان العجز يقهقه ضاحكاَ ، هازئاَ ، نظرت للأسفل لم أر شيئاً سوى عقب سيجارة منطفئ ... مرمي .. ولا أدري كيف ، ومن ................سحقه .
آخر تعديل بواسطة هالة ، 03-02-2006 الساعة 11:06 PM.
|