على هذه الصخرة» يقول السيد المسيح «سأبني كنيستي»، وعلى صخرةٍ ما يبني المرء أحلامه, يقضي زمناً طويلاً وهو يبحث عن الصخرة, فلكلٍّ منّا «صخرته», تكون في حذائه أحياناً, وتكون بعيدةً أحياناً, وأحياناً تكون أبعد بكثير، في أرض أخرى ليست أرضه ولا هي بلاده، لكنَّ الصخرة، هناك، تكون صخرته.
لكأن «الصخور» وزِّعْت على البشر بالتساوي والعدل، بيد أنها لم تُمنح لكلِّ شخص بذاته, لكأنها نُثرت، كما تنثر حبّات اللؤلؤ من أعالي الجبال الى السفوح، فتطايرت، وتبعثرت، وتفرّقت، وتدحرجت بعيداً عن صاحبها، أو، للمصادفة الخالصة، قريبة منه.
كم نشقى لنعثر على صخراتنا!
يضنينا البحث، ويهدّنا التفتيش، وتقضّ مضاجعَنا الأحلامُ المعلقة في فضاءات تخيّلاتنا وتصوّراتنا بانتظار صخورها, وفيما هي تتأرجح هناك وتتراقص كبندول الساعة، أو كعصافير ترفرف بتواتر ريثما تجد الأغصان التي تستقبلها، نكون، نحن، على انهماك للعثور على الصخرة التي تخصّ أحلامنا.
ليست كل الصخور صالحة لأحلامنا, , هي صخور ثابتة أو مُقلقلة, مدبّبة الأطراف أو ملساء ناعمة, على حافة جرف أو في حضن الوادي,,, ,لكنها ليست هي التي نبحث عنها, لم تُنقش أحلامُنا فوقها أو لم تتشكّل هي وتتكوّن على هوى أحلامنا، فنعافها ونواصل البحث.
ثمة صخرة بعينها لحلم بعينه!
«أين أجدها؟!» يتساءل المرء «أين سأجد مهبط حلمي ومستقرّه ومطرحه؟ أي صخرة، من ملايين الصخور الموزّعة هنا وهناك وهنالك، هي لي؟!» يلتبس الأمر، وتتداخل الصور والهيئات والتكوينات, كأن المرء، في بحرٍ، يبحث عن نقطة ماء, كأنه، اذ اعتقد بأن لكل مخلوق صخرته، ورَّط نفسه في عبث البحث!
سيجرّب ـ في رحلة البحث عن صخرته ـ أن يشيد حلمه فوق صخرة بدت له أنها هي,,, لكن الصخرة ستلفظ الحلم، وسيفرُّ الحلم نائياً عنه! عندها، بعد محاولةٍ، سيعرف أنها ليست «هي», لا مفرَّ، اذن، من مواصلة البحث, فلكلٍّ صخرته لا محالة,,, ولكن أين يجدها؟! يقول ويواصل بعينين مفتوحتين، وقلب مرهف، وعقل متيقّظ، واحساس متنبّه، كي لا يُخطئ ثانية,,, وعاشرة اذ لا يحتمل العمر الأخطاء الى ما لا نهاية.
واذا ما وجد المرء صخرته؟!
سيخرج من ثيابه وبيته وجلده ومن انتظاراته وأشواقه ولوعاته وأساه ويهتف: وجدتها!,,,, ! سينادي كل ما حوله ومَنْ حوله: وجدت صخرتي!
واذ سيتقافز بين مصدِّق ومكذِّب، بين غافٍ ومستيقظٍ، بين مَنْ كان سيجرفه اليأس وينقذه الأمل,,, واذ سيتقافز نحو أحلامه التي كادت تسقط من فرط نضجها ليحملها نحو ما وُعدت به منذ زمنٍ: صخرتها,,, اذ يفعل ذلك يكون قد فاته ما فاته من الوقت!
سها ـ في غمرة البحث ـ عن الوقت! أو كان، في أعماقه، يظنّ أن الوقت ينتظر، أيضاً، كما الأحلام! أو أن الوقت من شأنه أن يتريَّث قليلاً، يتماهل، أو يتباطأ، أو يؤجّل تواليه وانصبابه ريثما يعثر الملهوف الولهان على صخرة أحلامه, ريثما يقع، من بين ملايين الصخور المتشابهة، على صخرته التي لا تشبه الاّ أحلامه, ستأوي الصخرة الى ظلِّ قلبه، وستحلّق أحلامه نحوها، بيد أن الزمن ـ يكون ................قد فات |