عندما تصبح الحياة هواية ......... ترحل دوما الى باطن الأرض لتكتشف الجذور ........ وتلاحق الضوء لتقبض على النجمة.... وتسابق زبد البحر على الشاطىء بحثا عن الينبوع .كان الحصار منذ البداية , حصارا ضد انسانية الانسان , حصارا في أخطر وجوهه , هو ذلك الوجه المألوف والمتوارث بحيث لاتدركه ولاتلحظه , اذ أنه يصير روتينيا , اعتياديا , ومنذ الطفولة تشربه وتألفه وتتحول من خلاله تدريجيا الى حيوان مدجن , بينما هو يكبر أنت تصغر انسانيا حتى تصير فردا صالحا في مجتمع غير صالح.كيف يختصر الانسان جرحا ملتصقا بجرح الوطن , وروحا نازفة من نزفه المتعاظم .كيف يمكن للانسان أن يقف خارج اللعبة المبتذلة انسانيا , ويرفض أن يكون فاوستيا آخر , يقايض روحه ثمنا لانتمائه .كيف يمكن للانسان أن يعيد بناء تضاريسه النفسية, ويعيد اشعال أضوائه الملونة .انهم يرغموننا على شرب مطر الذل والنسيان , ويحرقون طاقتنا على الحلم , ليتناسل ذلك الألم المتناثر في كهوف الروح .ذلك الألم ليس فقط نتيجة لهزائمنا الشخصية الصغيرة , وخيباتنا الروتينية , بل لهشاشة الأشياء الجميلة من حولنا , وظل الموت المتربص فينا ,متحالفا مع المرض والغربة والعزلة الداخلية , لهزائمنا أمام مجتمع قهرنا , ونظام غدر بنا , ويقينا أصبح مع الأيام سرابا ودخانا وحفنة رمل تهرب من بين الأصابع .ذلك الألم ليس هواية ولامكياجا مسرحيا ........ ذلك الألم هو طفل الالتحام بين الحلم وبين الحقيقة ....... وهو وليد الاحتكاك بين صدقك وبشاعة الأشياء حولك أو هشاشتها.الألم هو نتيجة مواجهة الذات بحقيقتها ..... انه ضمير يرفض ابتلاع أقراص منومة , وعقل يرفض رشوة المباهج الصغيرةاليومية .الألم هو شهقة احتضار تحس بها عندما تمارس عليك عملية استلاب حقيقية لانسانيتك , وتعطيل ارغامي لعقلك,فتنكفىء على ذاتك , وتغترب حتى عن نفسك لتلملم جراحك وتتستر عليها , كما تفعل حيوانات الغابة حينما تصاب بجرح , تنسحب الى أوكارها , وتهرب من الجميع ريثما تلتئم جراحها . وعندها .........يصيبك مرض الصمت وفقدان الحماسة لتحقيق أي شيء ......... تجعلك تشعر بتفاهة كل ماتفعله , وكل مالاتفعله ولاجدوى من كل شيء , ولاشيء لأننا مسكونين بالخوف ومجردين من لقاح الصدق .نحن لسنا ضائعين , بقدر مانلاحق عالما ضاع عن نفسه , ربما .........عندما ينتهي ذلك التواطؤ الضمني بيننا وبين القوى الخارجة عن ارادتنا ............. عندما نستطيع ردم الهوة بين صدقنا وملاءة خوفنا , بين مانريد ومانحن عليه , عندما يحصل التطابق بين مانحس به ونبطّنه وبين مانعلنه ........... حين نكفّ عن حربنا مع صدقنا , وتبدأ حربنا ضد القوى التي تحول بيننا وبين تحقيقنا لانسانيتنا ............. عندها فقط ............. ينتهي الحصار.
آخر تعديل بواسطة هالة ، 10-12-2005 الساعة 03:04 AM.
|