محمود مفلح البكر
ميخائيل عيد
انهيار الحلم...صمود الرجل
لا أذكر متى رأيت أبا عياد أول مرة, وما أذكره أن ذلك حدث قبل ثلاثين سنة ونيف. ربما إلى مطالع السبعينيات.
حينذاك كنت شاباً مترعاً بالحماسة, والطموح, والأحلام الثورية, والتحررية, والنهضوية... ومترعاً أيضاً بالعافية المعنوية, على الرغم من المغص المزمن الذي سببه لي حزيران, والذي كنت أتشاغل عنه بالإيغال في الأحلام الثورية, والطموح, والحماسة الطفلية, علني أنتشل روحي من كابوس الاندحار المريع.
وحالة كهذه تحتاج بالتأكيد إلى متَّكأ ما من الواقع الملموس, أو المتخيل, أو من الأحلام, والأوهام, أتمسك به لعبور مستنقع الهزيمة الرائن, الذي يتمطى في كل مسارب الروح, وينهش كل بادرة حياة.
منذ اللقاءات الأولى بدأت أنشدُّ إلى أبي عياد. كان واثقاً بالمستقبل المزهر على الصعيدين الأممي والعربي – وهذا مهم لطمأنينة نفسي- وكانت الأحلام الرائعة دانية أمامه كالقطوف الماثلة عند تباشير الموسم – وهذا مناسب لجموح روحي- وكانت ضحكته الصافية, ونادرته الحاضرة, وغمزاته الذكية, وزجلياته المغموسة في نبع القرية وجرار الصبايا, المتلصصة بين غصون التين, وحيول الدوالي... تغمرنا بالدفء العاطفي والاحتضان الودود, وتنشر أفياء المحبة والرضا, فتقرِّب المسافة بيننا وبين شطآن الحلم, فتجدد الحماسة.
لقد كنت مثل كثيرين غيري بحاجة إلى قدوة واثقة تطمعنا بالمأمول, وتحدو لخطانا, لننهض عن اليومي اللزج, وكان أبو عياد أحد هؤلاء الذين منحوني هذا الشعور اللذيذ المنعش – إن لم أقل المسكر- مثل كأس يبعث النشوة, بعد كدح اليوم.
كان أبو عياد مبشراً دؤوباً بنعيم المستقبل, يبذر أفكاره في حله وترحاله, نثراً, وشعراً, وزجلاً, وفي الجلسات الأدبية, وحتى حين نلتقي مصادفة على قارعة الطريق, يدغدغ مشاعرنا, ويهيج أحلامنا, وقد يشكو من الأحوال الاقتصادية, إلا أنه يختمها بطرفة, أو ضحكة, ويمضي مثل فراشة بيضاء, وقد ترك بقايا الضحكات عالقة على وجوهنا.
ظلت هذه التبشيرية ملازمة لأشعار أبي عياد, وحتى في أواسط السبعينيات, وأواخرها كان مسكوناً بهذا الحلم, ففي مجموعته (سفر) الصادرة عام 1977 يقول:
أخرِسوا هذا الصوت الذي
يلعن نور الفجر
إن الفجر يولد
من دم الأحرار
نور الفجر
يولد (ص19)
ويقول أيضاً:
وفتحت الباب كان الضيف عامل
بذلة زرقاء, وجه أسمر, زند مقاتل
- هل ترد الدين؟
- لكن كيف أفعل؟
- سر ورائي ولنهد القصر
- ماذا؟ وحدنا؟
- بل نغني كي يفيق النائمون
- ثم نمضي كلنا!
- هذا الطريق (ص 14)
ويقول أيضاً في القصيدة ذاتها:
سأغني للذرا والأودية
في الدروب المعتمة
تحت عين الشمس, في السجن
وفي كل مكان
سترد الأرضُ أصداء غنائي:
سأرد الدين هبوا يا جياع
لن يفر اللص منا (ص15)
ويقول أيضاً:
سأغني
إنهم يخشون صوتي
جبناء
ذلك اللص الذي كان رهيباً
كيف يخشى صوت شحاذ صغير؟!
انهضوا يا بائسين
سارق القوت الكبير
صار يخشى صوت شحاذ فقير (ص15)
وفي قصيدته (الفجر) صورة ساطعة على هذه التبشيرية الحالمة:
دقي يا أجراس الوعد المزهر
لحنَ الحلم الأخضر
دقي
يتفجر حبي في الضوء
دماً
ينهض من دفق سواقيه
الوطن الطامح
يرتفع العلم ليصبح
راية جيل يتحرر (ص40)
وفي مجموعته الزجلية "ورقات من دفتر عمر" الصادرة عام 1980 الكثير مما ذهبنا إليه, وبلغة أكثر مباشرة, ولا أرى فسحة هنا لذكر المزيد من الأمثلة التبشيرية, الريّا بخضرة الأمل, وزهوة الأحلام المبرعمة.
لكن يبدو أن جملة الإحباطات التي راحت تتراكم, وتتفاقم في عالمنا الموبوء بجرثومة الشر, قد بدأت تفعل فعلها في روح ميخائيل عيد, وتفكيره, وتعيد تشكيل قناعاته يوماً بعد آخر, دون أن تغير كثيراً من سلوكه الظاهري المتفائل؛ فقد التقيته ذات مرة قبيل قراءة مجموعته الشعرية "خطرات ورؤى" الصادرة عام 1994, فاستقبلني بوده المعهود, وضحكته ذاتها, وغمزاته التي أعرفها. لكن حين قرأت المجموعة ذهلت, وشعرت أن أبا عياد قد خدعني.
فهنا في هذه المجموعة صورة مختلفة كلياً, فنا ورؤية, وإحساساً بالذات, والمحيط, والكون, والوجود... إنها مزيج مطبوخ بهدوء على جمر الهموم, جمع بين الفلسفة, والمشاعر, والأحاسيس, والرؤى الخاصة المستندة إلى خبرة متنوعة مذخورة بوعي, كثفها الشاعر بمقطوعات وقصائد تفيض بالأسى, والشعور بالخيبة, ينتكص فيها إلى ذاته, وكأنه يقعُد أمام مرآة ويخاطب ذاته, فيبثها أموره بما في ذلك الذي كتمه دهراً عن الناس, وربما عن ذاته, إذا كان متنبهاً له, أو اكتشفه بعمق بعد هذا الزمن.
يقول في قصيدته هي "الدنيا":
وقلت هي الدنيا يومان
فلنعشق ولنفرح
لكن الدنيا لدغتني
فرجعت إلى الأحزان (ص43)
وفي قصيدة "قدر" يتأمل المهدور من عمره فيقول:
هل بكت ساعة الرمل عمرها
نحن في الوقت
كيف نحصي الذي يسلب العمر منا؟
كيف نرجوه؟
والذي راح كالذي سوف يأتي
...
جفف الدمع
ليس للحزن معنى
ولا الفرح
هو دهر يتسلى بنا
ثم يمضي (ص74)
فهنا ينتاب الشاعر إحساس فاجع بالوقت الذي يتسرب من قارورة العمر في صحارى الخيبة, ليتبدد دون أمل برجعته, بمحموله من الأفكار الرائعة, والأحلام, والطموحات, والمشاعر الندية. ومما يزيد الشعور بالفجيعة إدراكه أن ما في الأفق ليس أحسن حالاً مما سلف.
ويتساءل سؤال العارف, الذي لا يبغي جواباً, عن الوسيلة التي يمكن أن تحصى بها الخسائر, وقد مضى العمر كله خسارة. والعمر العزيز الضائع هنا ليس عمراً فردياً بحتاً, إنه عمر الفرد مدموجاً بعمر شعب, وعمر وطن, فكما تبعثر الحلم الذاتي تبعثر الحلم العام في دروب الفوضى, ودوامات التخبط, التي تلف الفكرة الجميلة بوخم الرذيلة, والرؤيةَ بعجاج القطيع الجافل, وتشغل الحركةَ بالركام الدنس.
وفي هذه الحال أي معنى للحزن أو الفرح؟
جفف الدمع
ليس للحزن معنى ولا الفرح
ويسيطر على الشاعر في هذه المرحلة التأمل بالوجود والعدم, وفي ثلاثي الماء والتراب والجسد, يقول في قصيدة "دخان":
قالت لي الغيمة:
أنا أختكم
قال الزبد:
أنتم أقانيم الجسد (ص87)
وفي قصيدته "خوف" صورة واضحة عن الإحساس العميق بمآل البشر, ومصيرهم الذي لا يختلف عن مصير بقية الكائنات, حيث يدور الجميع دورة حياة وموت, شبيهة بدورة الحشرة أو النبتة, يقول:
شاحب وجه مستقبلي
هل تقولين: نحن معاً؟
يغمز الموت جانبي.. تشحبين
تلهث الرض متعبة
دورة مرعبة
...
يرقص الموت حولنا
تضحكين
أنت خائفة
وأنا خائف والرؤى واجفة
وتمدين لي كفك الراجفة:
- لا تخف
- كيف لا أخاف!
...
جسدي يابس
والقطاف
موسم فاتنا
والجفاف
حل في دمي
بارداً جارحاً كالصقيع (ص 99-100)
لا يتسع المقام هنا للتفصيل أكثر, لكن أستطيع أن أقول: إن مجموعة "خطرات ورؤى" مرثاة الذاتي والعام, مرثاة الأحلام والأيديولوجيا والطموحات, والبشر.. مرثاة الماضي والحاضر والمستقبل الملموح, والمتوجس...
ولم تكن هناك مبالغة في طرح هذه الرؤى والأفكار الفاجعة, إنها ضمن مهاد تاريخي معاش, شديد الإقناع, ويكفي أن نتلفت حولنا لنرى حجم الخراب المادي والروحي الهاجم على إنسانيتنا مثل جرافة ولتزكمنا رائحة العهر المتخثر, تغمر حتى سعف النخيل, وتقصف ما تبقى من معاقل طهر في أرواحنا.
لم يتقنع ميخائيل عيد بالمبادئ والشعارات واليافطات الأيديولوجية كما فعل وما زال يفعل الكثيرون ليستروا عيوبهم الوجدانية, ويمرروا أفكارهم الملوثة بجرثومة الطائفية والمذهبية, ومشتقاتها المريضة.
ولم يغرق في النفعية الفجة, التي أغرقت الكثيرين من متحذلقي السياسة والأدب والثقافة الذين تحول بعضهم إلى رموز براقة, كإوزات سمينة تطفو على نهر الفساد متباهية متبجحة متغنية بقحة, وكأنها تتبختر على ضفة كوثر النعيم.
كان ميخائيل عيد رسولاً أممياً صادقاً, انتشله وعيه وشعوره بالمسؤولية وروحه النقية من السقوط في وحل المستنقعات اللزج, ليجمل راية الإنسان, والحضارة, والحق...
لقد أبى إلا أن يكون أميناً على روح الأمة, ووجدانها, وإرثها الحضاري... في زمن يتسابق فيه كثيرون على خيانة الأمانة.