محطات على درب الحياة (الراحل الكبير ميخائيل عيد) | | سألت والدتي: متى ولدت يا أمي؟
قالت بعد أن فكرت برهة: قبل عيد السيدة العذراء بثلاثة أيام...
هذا يعني أنني ولدت يوم 12 آب وفق التقويم الشرقي أي 25 آب وفق التقويم الحديث.
وسألت والدتي: وفي أي سنة؟
ابتسمت الأم وقالت: في السنة التي حفرنا فيها المحفارة الجديدة لتتريب أسطحة المنازل.
وعرفت من تواريخ أقربائي الذين في مثل سني أنني من مواليد 1934.. أما في الهوية الشخصية فمن مواليد 1936. ولهذا حكاية طويلة.
مات والدي عيسى الفياض عيد قبل مولدي بخمسة عشر يوماً بعد أن فرش فراش الموت جوعاً لي ولأمي نمنوم سليمان ولأخي الأكبر فياض، لكن الأم بذلت جهوداً فوق طاقة الشجعان لإنقاذ ولديها من براثن الموت..
نزلت إلى ميدان العمل في السابعة من عمري، عملت في معمل الحرير القريب من المشتى، وكنت أذهب إليه مشياً على قدمي مع الفجر ولا أعود منه إلا مع حلول الظلام، وفي أيام الحرب العالمية ـ في أواخرها تحديداً ـ عملت وأمي وأخي عند أحد أصحاب الأملاك في قرية صغيرة بعيدة عن المشتى، وهناك مرضت مرضاً غريباً، فهربت أمي من العمل لتعود إلى المشتى وتتوسل لدى أحد الوجهاء كي يتوسط لدى صاحب الأملاك ليفرج عن ولديها.. وأفرج عني وأنا على فراش الموت، وهرب أخي ليعمل في البناء ببيروت.
عالجني أحد الأطباء الشعبيين المغاربة، وبدأت أتعلم حين تتاح لي الفرصة.
درست الصف الخامس الابتدائي دراسة (نظامية) وعندما حان موعد تقديم الطلبات إلى الامتحان ذهبت من المشتى إلى صافيتا مشياً (25 كم) وعدت خائباً لأن مدير السجل المدني أخبرني أنني غير مسجل في سجلاته.
وذهبت إلى بيروت وعملت أجيراً عند أحد الأغنياء، ثم عملت في البناء إلى أن أتيح لي العمل في مدرسة (الأدب العربي) في سن الفيل.. عملت حارساً للمدرسة ومشرفاً على المكتبة وبائعاً في دكانها، وكنت أستغل الليل لأقرأ ما في المكتبة من قصص وروايات.
كان ما قرأته قبلها كتب طرزان وأرسين لوبين وسيرة بني هلال وسيرة سيف بن ذي يزن.
عدت إلى المشتى وانتسبت إلى الصف الثامن في ثانوية (ابن خلدون) التي كان قد أسسها الأستاذان حنا إلياس المعلوف من عيون ا لوادي ودانيال نعمة من المشتى، وظهرت بوادر موهبتي في الشعر والزجل منذ ذلك الحين.
نلت الشهادة الإعدادية وعدت إلى العمل في البناء، درست برنامج الشهادة الثانوية وأنا أعمل في الورشة ونلت الشهادة، ثم عملت مدرساً في ثانوية ابن خلدون في المشتى.
عام 1958 ذهبت لأداء خدمة العلم، التحقت بكلية ضباط الاحتياط، ثم سجنت في سجن حلب العسكري ونزعت رتبتي، ونقلت إلى سجن المزة في دمشق، ثم أوقفت خدمتي العسكرية، فهربت إلى لبنان وعملت في البناء وفي التعليم في ثانوية خاصة. ثم عدت إلى سورية ودرّست الأدب العربي في ثانوية صدد الخاصة. وتنقلت بين سورية ولبنان، ثم تزوجت عام 1965، واعتقلت وعذبت بشدة، وبعدها ذهبت إلى رومانيا للعلاج بعد السجن، وبعد العلاج التحقت بأكاديمية العلوم السياسية في صوفيا فدرست الفلسفة والاقتصاد السياسي وأعرت اهتماماً أكبر للأدب البلغاري، وأعددت قاموساً فريداً باللغات (البلغارية، والإنكليزية، والعربية). وحين عدت إلى دمشق عملت في وكالة (نوفوستي) الروسية للأنباء مشرفاً لغوياً ومحرراً لمجلتها الشهرية ولنشرتها اليومية وكتيباتها السياسية والفكرية، وبدأت أنشر ما أكتبه وأترجمه في الصحف والدوريات.
في عام 1970 صدر كتابي الأول بالعامية (حكايات وغناني، زجل)، ثم تلاه كتاب (آل غرياك) المترجم عن البلغارية للكاتب إيلين بيلين، ثم صدر ديواني الشعري الأول (سفر)، وتوالى صدور أعمالي حتى صار عددها 65 كتاباً وكتيباً، ولديَّ مثلها أو أكثر مما لم ينشر بعد.
انتسبت عام 1974 إلى اتحاد الكتاب العرب، ثم انتخبت عضواً في المكتب التنفيذي للاتحاد، وما زلت عضواً فيه.
مثلت الاتحاد في أكثر من مؤتمر للأدباء العرب، وشاركت في أكثر من وفد إلى البلدان العربية وإلى بلغاريا ورومانيا وروسيا.
أكتب الآن وأنشر في الصحف، وأعكف على ترجمة قاموس المصطلحات الأدبية. رحم الله الراحل الكبير واسكنه فسيح جنانه 
__________________ ۩۞۩ أنا مشتاوي يانيّالي ۩۞۩ قلب المرأة قيثاارة .. لا تبوح بأسراارها إلا
للفناان الذي يستطيع إجاادة العزف عليها |