الزجل بعد 707 سنوات
لا أدري لماذا انتبهت اليوم لهذا الرقم , وهو الفرق بين عام ( 1300 ) وعام ( 2007 ) .
وعام ( 1300 ) أقصد به ( عصر الإكليروس ) , وكنت قد شرحت معنى كلمة ( إكليروس )
ضمن موضوع ( رواد الزجل ) .
ويعتبر هذا العصر هو أوّل تأريخ للزجل وكان معظم شعراء ذلك العصر ـ إذا لم نـَقـل جميعهم ـ
من رجال الإكليروس , وقد دَوَّنوا منظوماتهم باللغة الكرشونيّة ( أي كتابات عربية بأحرف سريانية ).
ومخطوطاتهم محفوظة في خزانة الكرسي البطريركي في لبنان وفي المكتبة الفاتيكانية بروما .
وقد أوجدوا في منظوماتهم أنواع البديع والجناس , ووزعوا الحروف على أوائل أبيات القصيدة وأوائل
الصدور والأعجاز . وأوجدوا الألغاز والتواريخ بحسب الجمل . ونظموا الألفيات مرتبة على الحروف
الهجائية . وتفننوا بأوزانهم من رَد العجز إلى الصدر وعكساً .
ولكن رغم تفننهم , ظل شعرهم ركيكاً ضعيفاً .
الأوزان مضطربة , والأفكار مبعثرة , والقـوافي لا إنسجام فيها ولا إرتباط .
وقد مزجوا العامية بالفصحى , مما جَعَـلَ العاميين ينفرون من أزجالهم وكذلك أهمَـلَ الفصحاء تدوينها
وحفظها .
وهذه زجلية كُتِبَتْ حوالي عام 1300 على خراب مدينة طرابلس على يد الصليبيين للشاعر
سليمان الأشلوحي ( 1270 ـ 1335 ).
يا حزن قلبي وما يخلي من أحــــزان ــــــ والقلب من الحزن شاعل بنيـــــــران
في طرابلس كان بدء القول يا حزني ــــــ والقول من قبل هذا الشرح قد خـــان
كان النصارى في كل الأرض خيرهم ــــــ وما بقي لهم ذِكِـرْ ..... ولا شــــــــان
فقد تغلغلوا في البلدان ... وافترقــوا ــــــ في مصر في الشام في غزّة وحوران
في بعلبك ... إلى حمص إلى حلــــب ــــــ إلى المعرّة ..... بل في أقصى بلـــدان
وهكذا إلى آخر القصيدة حيث يقول:
قائلها شاعر ( أشلوح ) مسكنــــــه ــــــ مشهور بين الورى ... اسمه سليمان
ثم قال: اقليموس ... بحكمتــــــــــه ــــــ قد يتـْنـَبّـوا لنا ..... من كتب رهبـــان
ان مدينة ( طرابلس ) تِخـْــــــــرَب ــــــ ولا بُـدْ لخرابها ..... من حِكِمْ ربّانـــي
يا رب إرحم قايلها ..... وكاتبهـــــا ــــــ واغفر لسامعها ..... ولكل نِصرانـــي
وبقي الزجل هكذ حتى ( عصر الإنبعاث 1800 ـ 1900 )
حيث انتشرت المدارس في القرى اللبنانية , فاتـَّسَعَ ميدان الزجل وظهر شعراء
نفضوا غبار السنين عن الفن , وعملوا بنشاط على توطيد دعائمه , ونظموا وتساجلوا
ودوَّنوا نفثات أقلامهم في دواوين زجلية طافحة بالوحي الطليق والنور اللامع .
ورغم ذلك بقي بعض الركاكة في الصياغة , وعدم التقيّد بقافية الشطر الأول ... الخ .
وهذه قصيدة للشاعر ( يوسف الحاج المعلوف نظمها عام 1841 )
قال يوسف من ضميرو هالقصــاد ــــــ قول المعاني ... يفلق الصَّم الجمـــاد
عن حالة الدنيا وعن جور الزمان ــــــ وعن هالأمور اللي جرت في هالبلاد
كانت طيور السعد وديوك الحبـش ــــــ وكانت طيور الباز من شان الصيــاد
والسقوفيات ..... مِطـْليي ذهـــــب ــــــ والنوار مشعشعة ..... بْـلـَيل السواد
بشير الشهابي الكان حاكم تختهــا ــــــ يحكم بأمر الله ..... ما بين العِـبــــاد
كان يهمر ... متل همرات الأسـود ــــــ وكل المناصب ..... لأوامره تقــــــاد
إلى آخر القصيدة حيث يقول:
والأمير بشير ..... سلـَّم للفـرنــج ــــــ وبعمارة الإنكليز ..... عا مالطة وَرَد
لبَّسوا بشير ابن قاسم مَطرَحــــو ــــــ جـِتـْهُـو الخلايع تا يصون كل البـلاد
أعلنوا الإضراب مِيري ما عَطوه ــــــ خـَزَّقولوا أوامرو ..... بعد الرصــــاد
نختم بإذن البكر والحمد الرؤوف ــــــ يوسف المعلوف ..... ألـَّف هالقصاد
وتتوالى الأيام والسنون , وتطور شعر الزجل من حسن إلى أحسن , وتنوّعت المواضيع
وازداد عدد الزجالين , وتألفت الجمعيات الزجلية والفرق المسرحية , وتم إنشاء المجلات
والجرائد الشعبية , ووضِعَ أسس وأوزان له , ووصل الزجل إلى
( عصر النهضة بعد عام 1900 م ) .
وشعراء هذا العصر لا يُعَـدّون ولا يُحصون ...
من أشهرهم ـ حسب قناعتي ـ الشاعر الحزين , المبدع ( خليل روكز 1932 ـ 1962 ) .
وهذه أبيات من إحدى روائعه (( إلى عصفور ))
دشَّرتني وطيَّرت يا عصفور ــــــ من ساعـة الفيها لمَحت النـّــور
قديش زقـَّمتـك إنت وزغـيـر ــــــ وقِفقـَفِت فوقك جانحي المَكسور
قديش زقـَّمتـك إنت وزغـيـر ــــــ حتى كْبـِرتْ وصِرت فيك تطيـــر
دِشَّرتني , وطِلـَّقِـتـْني بَـكّـير ــــــ يا غِـبـِنْ حَـبْ القِـنـْبُـز الغالـــي
يا غِـبـِن شَمع الحُب والبَخـّور
إلى أن يقول:
بَيتـَك الربّاك ... ما بينسـاك ــــــ ولـَيش ناسِـي ... عِـشَّـكْ الربَّاك
آخ يا عـصفور ما أقســـاك ــــــ من دُون ذنب تـْخون بـِمْرَبّيـــــك
وتِتركو عا فِـرقِـتـَك مَـقـْهور
ومن شعراء اليوم الموهوبين والمبدعين الشاعر المعطاء , والنبع الذي لا ينضب ,
الشاعر المثقف , الشاعر المتعدد المواضيع والمجالات , الشاعر المهذ َّب , الشاعر
الإرتجالي والأخ الغالي الذي أحببته دون أن اعرفه , أحببته من عطائه , أحببته من
إبداعه الشاعر فاتح . وكما قالوا قديماً: ( والأذن تعشق قبل العين أحيانا ).
أنا شاعر ... أنا فاتح سـمـــاوي ***** ولونــــــي بالشعر فاتح ســــماوي
و إذا رومل يا هـتلر كان تعـلــب ***** بدّي صــــــــــيّدو بفــــخ الزكاوي
إذا بكفـّو انزرع خمسين مخلـب ***** تَ قبّعـــــــــهم على مهلي بهداوي
أنا ســـبقت الفرذدق و المهلّــب ***** وعــــروه ما تركــــــــتلو عراوي
بني تغلب غـَلبت , سقيت أغلب ***** بني مُرّة المرارة من الحــــــلاوي
ومن إحدى محاوراته:
يا كلمه من خمور الشعر صبّي *** و فضّي جرّتـــك و الكاس عبّي
أنا شاعر بأفـــــــــكارو تسامى *** بغــــــيـــر الورد مَ بْرِدْ المسبّي
إنتوا حد منّي حـــــجار ضامى *** عَ ذوقي بشيل طَبّي , بحط طبّي
علق فاتـــــح على زر الخزامى *** و إنتوا ما علقــــتوا بْ زر قبّي
تَأمّل في كلامـــــــــــي الدايلاما *** و كَتب عنّي أناشــــــيد المحبّي
ومن تحفه:
لو كان ما في لون
شو بيعمل الرسّام .. ! .. ؟
بْيرجع بْيخلق كون
و بْيخترع
ورد و سما و قلام
قبل مَ تخلص سبع تيّام ...
*****
حلّك يا أدم تسمع الكلمي
بعرفك خاطي على عِلمي
مش عيب تسمع حيّة الرَقْطه
و تخطى ... الخطيّة بتعملك زلمي
مش عيب تسقط عَ الأرض سَقْطه
و تبقى الجَنّة حلمك و حلمي..؟!!!!
من فوق... بتشوف الأرض نقطه
و من تحت... بتشوف السما كلمه !!!!
الأخوة القراء ...
أرجو المعذرة لإطالة المقال ولكن المقارنة تتطلب الشرح ...
بكل الحب
أنهل دبس