لأن البرد قارس , والبلد مضطرب , قررت الذهاب الى أحد الأديرة القديمة للتأمل والصلاة .
الكنيسة قديمة جدا , والايقونات فيها مهيبة , وقبتها العالية تجبرك على الخشوع . أغلقت الباب الكبير ورائي بهدوء ودخلت الى قرب الهيكل , وجلست أمام أيقونة القيامة . كان المكان مظلما لولا ثلاث شمعات تسمح بقليل من النور .
صليت لأهلي وعائلتي ولنفسي ووطني . لجميع الذين يحبونني وللذين لايحبونني ,ولأحبائي وأعدائي . صليت للسائرين في النور وفي الظلام معا , ثم تلوت
بصوت ليس خافت قصيدة " ياأمنا عليكي سلام" ,ولما انتهيت سمعت صوتا خافتا من احدى زوايا الكنيسة يرتل بهدوء رهيب : (يايسوع الحبيب ..هب لي أن أستريح فيك .. يايسوع الحبيب ..). لم ألتفت الى الخلف لكي أرى مصدر الصوت ولكنني تأملت بكلمات الترتيلة التي تدعو للاندماج الكامل مع الله , والتسليم المطلق لاله السلام والمحبة . دفعني هذاالجو الروحاني الدافئ لأنشد قصيدتي : عمصلي الك . كان صوتي يتهدج وأنا أتلو القصيدة وعيناي تنظران الى الصليب . صليت للسلام ,للحب ,للأطفال ,للأمهات وللزهور ولكل شيء . وأيضا لما انتهيت عاد الصوت الجميل ليأخذني الى عالم القداسة بترتيلة : كما تشتاق الأيل الى جداول المياه , هكذا نفسي اليك ياالله .
كانت تسيل دموعي بصمت على خدودي وأنا مسافر الى خارج هذا العالم مع هذا الأداء الساحر .
سكت الصوت .. وغرقت في فترة تأمل طويلة . أبحرت فيها في أعماق نفسي , وشردت في فضاءات الروح . ماأجمل ذلك الشعور ! ماأحلى تلك اللحظات ! كم أنت جميل يارب !
صليت قصيدتي الأخيرة والطويلة قليلا , صليتها بانفعال وخشوع كما لم أصل من قبل . سمعت بعض التنهدات خلفي , وأحسست بأن أحدا كان ينتحب بخجل . عندما انتهيت ,استدرت للخروج وعندها فقط أدركت أن بعض المؤمنين كانوا قد دخلوا وهم الآن راكعون ويصلون بانسحاق للرب .
فتحت الباب , ونزلت الدرج الى الطريق مغادرا الكنيسة وأنا أحاول لف الشال حول عنقي تحاشيا للصقيع القارس . ولما وصلت الى أسفل الدرج سمعت صوتا ينادي : يا أستاذ ..ياأخ ..ممكن شوي لوسمحت ..
التفت الى الخلف واذا برجل دين طويل القامة , أسمر البشرة يومي لي بالرجوع .
عدت , فأدخلني مكتبه الصغير , واذا بي أقف وجها لوجه أمام الفنان الكبير وديع الصافي وحوله عائلته من أبنائه وعائلاتهم .
اقتربت وبطريقة لاشعورية قبلت رأسه , فضمني لصدره وقال : الله يوفقك ياابني ,الله يخليك لأهلك وللبلد .. أنت حبه وقعت عالأرض الصالحة ..اذكرنا بصلواتك ياابني .
في هذا الأثناء كانت زوجة ابنه فادي , قد جلست على الأرض وشرعت بنزع حذاء وديع الصافي من قدميه (ربما لاراحته) .
جلسنا قليلا ,تحادثنا , شربنا قهوة معا وودعت الجميع .
في الكنيسة عند خروجي , رأيت طفلة صغيرة وأمها تصليان بخشوع , وكنت قد فهمت من الأحاديث التي دارت في الداخل , أن الفنان الكبير وديع الصافي سيشارك في حفلة خيرية يذهب رعيها لدعم هذه الطفلة ماديا لتلقي العلاج في فرنسا .
كنت أردد في نفسي وأنا عائد للبيت : لسه الدنيا بخير
راجح |