مديرة غير بعثية للتلفزيون السوري : الأفضل استبدالنا بشعب أخر | | في سياق تطوير الاعلام السوري و نتائجه المخجلة كتب حكم البابا ما يلي:
سأعترف بدون حاجة لأجهزة مخابرات، وبدون جلسات تحقيق، وبدون أدوات تعذيب أن مشكلة الإعلام السوري بتلفزيونه وصحفه ووكالة أنبائه فينا وليست فيهم، فنحن جمهور الإعلام السوري سبب المشكلة التي يعانيها من يخطط، ومن يدبّر، ومن يشارك، ومن ينفّذ عملية الإعلام السوري!
أتمني علي القارئ الجالس علي أريكته باسترخاء ألاّ يعدّل جلسته مستنكراً مستغرباً لما أقوله، وألاّ يرمي الجريدة من يده قائلاً لنفسه مشيراً إلي: ها هو قد بدّل مواقفه بعد أن قبض، وأرجوه أن يأخذني بحلمه.
وأطلب من المسؤول الإعلامي الجالس خلف مكتبه أن يؤجل فرحه، واتصاله الهاتفي بمسؤوله الأمني ليزف له البشري بأنه حصل علي اعتراف منشور في جريدة، بأن مشكلة الإعلام السوري في متلقيه وليست في منفذه، فما زلت في بداية كلامي.
صحيح أن هذا الاعلام (الذي تصرف عليه المليارات من أموال دافع الضرائب السوري، فقط من أجل نشر صورة لهذا المسؤول، وتصريح لذاك المهم) أصبح أحد ألغاز الدنيا الكبيرة غير القابلة للحل كالموت والخلود، فلو جمعت كل حكماء العالم من كومفوشيوس إلي بوذا ووضعتهم لمدة ساعة أمام الشاشة الوطنية السورية (الفضائية والأرضية)، أو أعطيتهم صحيفة من صحفه الثلاث الغراء (تشرين والبعث والثورة)، أو قرأت لهم خبراً من أخبار وكالة أنبائه (سانا) لما استطاعوا إدراك كنه هذا الإعلام الماورائي الميتافيزيقي النيرفاني، ولاأستغرب لو وُضعت عنه ملحمة بروعة ملحمة (جلجامش)، أو ابتكرت حوله أسطورة بمستوي (أسطورة سيزيف)!!
وصحيح أيضاً أن هذا الإعلام مبني علي معادلة رياضية إعجازية ومبتكرة في علوم الحساب والجبر، تريد أن تحصل علي نتيجة الواحد من حاصل جمع صفرين، وفي هذه النقطة يتشابه الاعلام السوري مع فريق كرة القدم السعودي، فكلاهما ـ الاعلام السوري والفريق السعودي مبنيان حسب التطبيق الحرفي للمثل الشعبي المصري الذي يقول (يصنع من الفسيخ شربات)، فرغم أن الاعلام السوري لايحسب بين أي من أنواع الإعلام المعروفة الآن، وربما بلا مبالغة يمكن إعتبار إعلام الضرب بالطبل أو إشعال النار متقدماً عليه، إلاّ أنه قضية حارة دائماً، وفي كل يوم يتصل بي صحفيون بأشكال ولغات معروفة ومجهولة ليسألوني عن رأيي في الإعلام السوري ومستقبله، وهنا نقطة الالتقاء الثانية بين الإعلام السوري وفريق كرة القدم السعودي، فعند حضورك مباراة لهذا الأخير لابد أن تلاحظ أن الكاميرات التلفزيونية التي تصوّر المباراة توجّه عدساتها طوال الشوطين إلي المرمي السعودي، بحيث يكون حارس المرمي السعودي هو اللاعب الوحيد بين الفريقين المتباريين الذي لا يغادر شاشة تلفزيونك، لأن أي انتقال إلي أية زاوية من زوايا الملعب، قد يضيّع علي المشاهد فرصة رؤية تسجيل هدف(!!) أما النقطة الثالثة التي تجمع الإعلام السوري بفريق كرة القدم السعودي، فهي مبدأ الاصرار علي خسارة كل مباراة يدخلانها، ولكن الخسارة دائماً تحمّل للمدرب وليس للاعبين، فتغيّر السعودية مدرب فريقها، وتغيّر سورية وزير إعلامها، لكن عبثاً ففي أول مباراة بعد التغيير يعود الفريق الرياضي السعودي والإعلام السوري للخسارة من جديد.
والآن لنترك الفريق السعودي الذي استخدمته كمثال لشرح المشروح، وتفسير المفسّر جانباً، ولنعد إلي الاعلام السوري الذي وتماشياً مع مبدأ التغيير بعد الخسارة بدّل مدير تلفزيونه السابق بمديرة تلفزيون جديدة لا أشك في أنها ستصبح سابقة قريباً بعد أول مباراة جديدة يدخلها هذا الإعلام، وصدرت الصحف العربية بأقلام مراسليها في دمشق، لتمدح وتطنب وتحيي وتؤيد وتشيد بتعيين أول مديرة غير بعثية للتلفزيون السوري هي الصحفية ديانا جبور، واعتبرت الخطوة بداية الاصلاح الحقيقية، وليخرج علي شاشات الفضائيات عضو مجلس الشعب السوري الدكتور في كلية الشريعة محمد حبش، ليقول بالفم الملآن، وبنفس الخشوع الذي يرتل به القرآن الكريم: ان الاصلاح قد بدأ في سورية. ويضيف وكأنه يخطب بالذين يحفرون الخندق حول المدينة المنورة رافعاً معنوياتهم، شاداً من أزرهم، قبل وصول جيش المشركين: أن أول مديرة غير بعثية للتلفزيون السوري يعتبر خطوة في طريق التحديث والتطوير، ويلفظ التحديث والتطوير بـ(إدغام بغنّة)!!
وقبل أن أعلق علي قرار تعيين السيدة جبور مديرة للتلفزيون ومدي فاعليتها، أود أن أتوجه للدكتور حبش مستعيراً لغته الايمانية، وخشوع صوته، وإدغامه لكن بدون غنّة، لأقول له: اتق الله يارجل، فأنت تعلم وتعلّم، بأن الدنيا دار فناء، والآخرة دار بقاء، وأن الإصلاح الذي نتحدث عنه منذ خمس سنوات، من المخجل اختصاره بتغيير مدير تلفزيون، وأن السيدة ديانا جبور ليست أول بعثية تستلم هذا المنصب، وقد سبقها إليه الدكتور فؤاد شربجي غير البعثي، والذي كان أمرّ من البعثيين في ولائه، ثم إن مشكلتنا في سورية مع الأمني لا مع البعثي، وليس من الضروري أن يكون الأمني بعثياً، وهذه أعجوبة من عجائب الدنيا الموجودة في سورية، والتي يتشوق السوريون لضمها إلي قائمة عجائب الدنيا السبع.
والآن وقد جاءت السيدة جبور إلي إدارة التلفزيون، ماالذي تستطيع فعله؟ هل بإمكانها أن تجادل من اتصل هاتفياً في عهدها التلفزيوني الجديد ليؤنب مسؤولي الأخبار في التلفزيون لبثهم خبراً عن الزعيم الوطني اللبناني وليد جنبلاط، يتحدث فيه عن ضرورة إقامة علاقة مميزة للبنان بسورية، وليمنع بشكل قاطع بث أي خبر عن وليد جنبلاط؟ هل بإمكانها أن تستضيف المناضل الكبير رياض الترك باعتباره يمثل الرأي الآخر، أو علي الأقل تظهر صورة له علي شاشة التلفزيون السوري مع خبر عنه، حتي لو كان يهاجمه، أسوة برئيس الوزراء الاسرائيلي شارون الذي تظهر صوره وأخباره علي شاشة التلفزيون؟ ولو استطاعت السيدة جبور أن تفعل ذلك فعندها سأرتل كلمة الاصلاح ترتيلاً كما يفعل الدكتور محمد حبش، ولن ألفظها لفظاً.
أعود من حيث بدأت.. المشكلة ليست في تعيين الصحفية ديانا جبور أو في تعيين غيرها، وليست في مخططي ومدبري ومشاركي ومنفذي عملية الاعلام السوري، كما أسلفت فهؤلاء أمناء لأنفسهم، يصنعون إعلاماً لذوي الاحتياجات الخاصة، والمشكلة فينا نحن جمهور الاعلام السوري، فلأننا لسنا من ذوي الاحتياجات الخاصة، ولسنا مرضي عقليين، ولسنا مصابين بانفصام الشخصية، لانستطيع أن نشاهد التلفزيون السوري بكل قنواته التي تدلّع باسم الشاشة الوطنية، ولا يمكننا قراءة الصحافة السورية بنسخها الثلاث التي يطلق عليها تحبباً اسم الصحافة الملتزمة، ولا تصديق وكالة الأنباء السورية سانا، ولا حل أمام مخططي ومدبري ومشاركي ومنفذي عملية الاعلام السوري سوي أن يستبدلونا بشعب آخر معاق عقلياً قادر علي متابعتهم!!
القدس العربي
__________________ الطير الحر |