تطلع المناضل والتزام الحزبي (حسين العودات) لعل مسيرة حياة دانيال نعمة تشكل (نموذجاً) لحياة شاب تفتح وعيه مبكراً على وجود قوى الاحتلال في وطنه تسلبه حريته وكرامته وسيادته، ويرزح مجتمعه تحت نير الظلم والاستغلال والقهر التي تمارسها قوى محلية وريثة مئات السنين من الامتيازات الطبقية، وتسحقه بكلكلها قوى ظلم ثلاثية الأطراف ومتحالفة في الوقت نفسه هي: قوى الاحتلال الفرنسي، والظلم الطبقي، والجور الطائفي. وبقدر ما كان يشكل وجودها وتحالفها شرطاً موضوعياً لثورة الشباب وتمرده، بقدر ما كان ينذر بالتشاؤم والقنوط والشعور بالإحباط ويغري بالاستسلام. وقد اختار دانيال نعمة الخيار الأول، خيار التمرد ورفض الواقع والمشاركة الفعالة في النضال الجماهيري، والاقتناع بالآمال العريضة في مستقبل أفضل للشعب والمجتمع، وإيمان لا يتزعزع بحق الشعب في تقرير مصيره وقدرته على ذلك، وعلى كنس الإقطاعيين والمستغلين والمتحالفين مع المحتل، وبناء مجتمع العدالة، مجتمع العمال والفلاحين، ووجد ضالته في الانتساب إلى الحزب الشيوعي السوري الذي رأى فيه الوسيلة الحقة لتحقيق هذه الأهداف، ولم يكن بالإمكان سوى الحزب الشيوعي في ذلك الوقت أن يتسع لمثل حيوية دانيال نعمة ونشاطه وآماله العريضة وفورة شبابه، فكان خياره هو الخيار الأنسب في وقت ضاقت فيه الخيارات بوجود قوى ظالمة متحالفة لا تحسب للشعب حساباً.
يبدو أن الظروف الشخصية لدانيال نعمة تطابقت مع التوجه العام للحزب في ذلك الوقت شكلاً ومضموناً، فقد ولد في المكسيك وعاش في سورية، درس المحاماة ولم يرغب أن يكون (أفندياً) لأن ذلك مضاد لطبيعته وأفكاره وطموحه. وتكاد تعتقد عندما تراه أنه فلاح جاء من الحقل، أو عامل أتى من المصنع قبل دقائق بعد أن ألقى عبء العمل جانباً. وفي مساره الحياتي لم تكن تغرقه تفاصيل الإيديولوجيا وصخب النظريات التي رغم معرفته بها كان يفضل أن يحولها إلى مواقف عملية وممارسات واقعية. يمتثل لقرارات قيادات الحزب مهما كان رأيه رأياً آخر، وينفذها وكأنه صاحب القرار، خاصة أن مبدأ (المركزية الديموقراطية) كان (مقدساً أو شبه مقدس) لدى المناضلين وفي تقاليد الحزب. شيوعي نموذجي ملتزم في عصر كان بداية نهوض الحزب والأحزاب الشيوعية في العالم كله، بعد انتصارات الاتحاد السوفييتي في الحرب الثانية، وتحقيقه نجاحات عسكرية مشهودة، ونجاحات اقتصادية وتنموية وعلمية واجتماعية، وتقديمه العون والدعم لحركات التحرر الوطني في البلدان الأخرى، في الوقت الذي بدأت فيه هذه الحركات تنمو ويصلب عودها وتحقق استقلال بلدانها، وتختط طرقاً جديدة لمسيرتها الاقتصادية الاجتماعية، حين كان العالم كله على أبواب فتح الأبواب للانتصار والازدهار. إن إخلاص دانيال نعمة لمبادئه وحزبه فرض عليه قبول ما يراه الحزب قولاً وعملاً مهما كان موقفه الشخصي، انطلاقاً من أن إيمانه بمبادئ الحزب وبقدرته وفعاليته تقضي الالتزام المطلق (والحرفي)، ولعل هذا ما حدّ من إبداعه الشخصي الذي حاول الكشف عنه في سنوات حياته الأخيرة.
أمضى دانيال نعمة في الحزب ما يقارب الستين عاماً، مرّ فيها بأحداث وظروف حلوة ومرة، كأي شيوعي مناضل ثابت متماسك جاهز للتضحية، فقد اعتقل مبكراً عام 1951 ثم عام 1953، ودرس في مدرسة الحزب في موسكو ثلاث سنوات، وعمل في صحيفة الحزب بإشراف فرج الله الحلو، وبقي عضواً في اللجنة المركزية طوال خمسين عاماً وفي المكتب السياسي أكثر من أربعين عاماً، وعضواً في الجبهة الوطنية التقدمية ثلاثين عاماً، وبقي هو هو دانيال حنا سليمان نعمة حامل هموم المجتمع والمتطلع إلى غد سعيد، الملتزم بقضايا الفقراء والممتثل لأوامر الحزب.
لقد استوعب في سنواته الأخيرة المستجدات، وأدرك بعمق الظروف والتطور العالمي و(النظام العالمي الجديد)، وضرورة أن تطور أحزاب بلادنا الفكر والممارسة، وتلمس حاجات المجتمع السوري الحديث بشكل مختلف، وقد علق مرة على تشكيل إحدى الحكومات فقال (ثم من يستطيع أن ينكر الدور الذي يعود في نجاح أية حكومة بل أي نظام، لاحترام القيم والمبادئ التي ينص عليها الدستور والسيادة والقانون، والاستمرار في تحديث القوانين ومتابعة عملية الانفراج الداخلي، ورفع حالة الطوارئ، وإطلاق الحريات العامة، وتوطيد أركان الديموقراطية الحقة، والاعتراف قولاً وعملاً بالآخر الملتزم بالديموقراطية والقانون والابتعاد عن العنف ... فمثل هذا الآخر يصبح ضرورة لكل من يريد أن يتجنب الخطأ ويستمر خادماً للشعب، وعاملاً لمصلحته العليا وفي سبيل الوطن). ولعل ما ذكره في تعليقه يلخص الضرورات الحقيقية لتطوير مجتمعنا وتحديثه، واحتياجات الوحدة الوطنية، وهو فهم حقيقي للواقع القائم وآفاق التطور المقبل.
كان يدرك المخاطر التي تواجهها مسيرة الإصلاح في سورية وكتب في هذا المجال يقول (إن أخطر ما يتهدد مسيرة الإصلاح، وبالتالي مسيرة الوطن ومستقبله، هو استمرار الركود الحالي في هذه المسيرة، ووصول الجماهير الشعبية الواسعة صاحبة المصلحة الحقيقية في كل إصلاح إلى قناعة بأن الإصلاح مستحيل، وبأنه فشل فشلاً ذريعاً).
لقد أدرك مبكراً ضرورة إقامة علاقات جديدة بين حزب البعث والسلطة وبينه وبين أحزاب الجبهة، وتجاوز ذلك للتنبيه إلى أهمية إشراك الأحزاب الوطنية والتقدمية والشخصيات الوطنية خارج الجبهة في الحوار الوطني (ونعتقد مخلصين أنه ينبغي على حزب البعث، بحكم موقعه التاريخي والدستوري، أن يتعاون مع أحزاب الجبهة الوطنية التقدمية والأحزاب والقوى الوطنية خارج الجبهة، ومع الشخصيات السياسية وكبار المثقفين والمخلصين والاختصاصيين مهما كانت انتماءاتهم السياسية، من أجل إنجاح مسيرة الإصلاح وضمان تغلبها على صعوباتها والعقبات التي توضع أمامها) وصولاً إلى إقرار برنامج وطني يتضمن ملامح المستقبل. وهو ما كان يتمناه، ويشير إليه في معظم كتاباته في افتتاحية (النور).
قد نجد من كانوا معه في آرائه ومن كانوا ضده، ومن حمّلوه شخصياً وزر مواقف أو أخطاء لا علاقة له بها على النطاق الشخصي، وإنما تبناها لأنها مواقف حزبه، لأنه دائماً كان يحترم التزامه الحزبي وتقليد خضوع الأقلية لقرار الأكثرية، والتمسك بالأمانة التي تقضي التماهي مع قرارات الحزب وتعليماته، وقد نحمّله خطأ موقف هنا وموقف هناك، لكن من الصعب القول إن من أسباب مواقفه السعي لمصلحة شخصية، أو نتيجة تصرف غير مسؤول، ذلك لأن الالتزام الحزبي عنده هو الأول والأخير.
أخضع دانيال نعمة الخاص للعام في سلوكه ومسيرته طوال حياته، فكان رحيله خسارة لوطنه وحزبه. رحمه الله.
النور...
(ابو الحب)
__________________
موقع المحبة www.mshtana.com |