جمهوريّة الحديد والإسمنت ! | | هل تستطيع أن تنظر حولك وتخبرني كم شكلاً هندسياً يحيط بك؟
الحجرة التي تجلس فيها .. متوازي مستطيلات مغلق وأنت بداخله .. أليس كذلك؟
وشاشة الحاسوب .. لوحة المفاتيح .. اللوحات المعلقة على الجدران .. المكتب ..
المكتبة .. المنضدة .. الباب .. النافذة .. مجموعة من المربعات والمستطيلات..
الثلاجة .. غسالة الملابس .. الموقد .. متوازي مستطيلات يحاصرنا أينما تحركنا داخل المسكن..
خزانة الملابس .. خزانة الكتب .. خزانة النقود والمجوهرات - وإن كانت الأخيرة بالذات مشكوك في وجودها
خزانات .. خزانات على شكل متوازي مستطيلات ..
حتى البيوت خزانات تحبس البشر بداخلها وسط مجموعة من الأهل أو الجيران..
والآن .. افتح نافذتك وصف لي ما ترى..
أينما نظرت تجد متوازي مستطيلات يتكرر بصورة منتظمة أو عشوائية ..
هذه مجموعة البنايات المجاورة والمقابلة - عفواً أقصد المحاصرة - لبنايتك..
انظر إلى أعلى البنايات .. خطوط متقاطعة أو متوازية تشكل هوائي التلفاز ..
ودوائر معدنية ضخمة تخفي القمر .. هذه أطباق لاستقبال إرسال الفضائيات..
خطوط حادة مبتورة في كل مكان .. لها بداية صارمة ونهاية أكثر صرامة لا يسمح لك بتجاوزها إلا في خيالك..
وأين الخيال وسط كل هذه القضبان الأسمنتية والحديدية والخشبية التي تحاصرنا في كل مكان؟
حتى الأحلام .. لحظات سعيدة تستيقظ منها لتجد نفسك محاصراً بين أسقف وجدران .. مربعات ومستطيلات..
أبحث عن شيء غير الخطوط الهندسية الحادة كالسكين من حولي .. أبحث عن بعض الخطوط الناعمة كأمواج البحر مثلاً .. أو خطوط انسيابية كخط الأفق. . أو دوائر حالمة كالسحاب .. أفتح نافذتي لعلي أرى شيئاً يشبهها..
هل أصف لكم ما أرى؟
لا داعي فكلكم ترون ما أرى وإن اختلفت مواقعنا على وجه البائسة المسكينة كرتنا الأرضية..
ولكن يمكنني أن ألخص لكم ما يمكننا رؤيته في مدينتي المزدحمة..
ربما أرى خطاً أبيض رفيع يشق السماء - أو بالأحرى ما بقى منها في مجال رؤيتنا من خلال البنايات -
هذا الخط ابتسامة صفراء تركتها لنا محركات طائرة نفاثة شقت لتوها عنان السماء..
أو نرى سحابات كثيفة بيضاء أو سوداء .. لا لن تمطر اليوم .. هذه سحابات نتجت عن حرق شيء ما ..
غابات.. أو قش أرز .. أو ... أوو .. أو مخزن قبيل موعد الجرد السنوي بأيام .. أو نفايات ..
وما أكثر ما تفرز الأرض هذه الأيام من نفايات .. نفايات منزلية .. نفايات صناعية.. نفايات طبية ..
ونفايات بشرية تطالعنا مبتسمة على شاشات التلفاز..
أين السماء؟ والقمر والنجوم؟ والسحابات الرقيقة التي طالما داعبتنا في طفولتنا بقطرات رقيقة على وجوهنا الصغيرة أو بكرات ثلج صغيرة نتقاذفها مع ضحكاتنا أيام أن كان لدينا الكثير من الضحكات..
وأين الهواء الندي الذي طالما داعب أنوفنا الصغيرة وكساها لوناً أحمر كثيراً ما أضحكنا إذا ما طالعنا وجوهنا في المرآة؟
الهواء الآن لا يأتينا وحده .. لابد أن يحمل لنا بعض المفاجآت .. أهمها وأكثرها شيوعاً دخان عادم المركبات..
وأين العصافير؟ هل يعرف أحدكم أين ذهبت؟ اعتدت في طفولتي أن أراها تطير أفواجاً في السماء .. هي من علمتني معنى الحرية .. لم أعد أراها .. ولكني للحق أرى في شرفة الجيران عصافير ملونة محبوسة في أقفاص .. لا ليست محبوسة .. فأقفاصها ليست على شكل متوازي مستطيلات .. وإنما على شكل........ لا أدري كيف أصف شكل الأقفاص .. ولكن الجيران رقيقو القلب جداً .. يهتمون بالعصافير .. يطعمونها ويسقونها ويلاعبونها كل صباح ومساء .. ويحزنون لموتها حزناً شديداً .. بالرغم من أنهم لم يحزنوا يوماً لحرمانها من الطيران .. لم يلفت انتباههم يوماً أنها عاشت حياتها مكتوب في هويتها أنها من فصيلة الطيور ذوات الأجنحة .. ومع ذلك لم تمارس يوماً حقها في الطيران..
هل تبدو مفارقة مضحكة أن نحبس الطيور في أقفاص من حديد .. ونطلق الحديد ليطير في السماء؟
أتمنى لو أقود انقلاباً سلمياً ضد جمهورية الحديد والأسمنت ومتوازي المستطيلات..
وأقودكم معي إلى الريف أو الصحراء .. حيث أصدقائي القدامى: الهواء النقي وخط الأفق والطيور والسماء..
حيث أجد نفسي الحقيقية .. وأخلع عني قناع المهرج المرسوم على فمه ضحكة بلهاء عريضة ودمعتان ملونتان وكثير من الأصباغ .. تخفي تحتها دموعاً حقيقية تلهب سخونتها الوجه .. والأحشاء .. جورج دبس
ألمانيا
__________________ ۩۞۩ أنا مشتاوي يانيّالي ۩۞۩ قلب المرأة قيثاارة .. لا تبوح بأسراارها إلا
للفناان الذي يستطيع إجاادة العزف عليها |