يوتوبيا اسمها مشتى الحلو
في هذا الشرق المسكين تعود الناس على المديح والمديح فقط فكل نقد يعتبر بمثابة إهانة مباشرة للمنتقَد حتى ولو كان نقداً بناءاً .
نقداً بناءاً !! يا لهذه الجملة المسكينة والتي تستعمل عندنا على عكس معناها لأن النقد البناء عندنا يعني المديح ولا شيء سواه , أما أن تنتقد أي ظاهرة سيئة فالويل لك لأنك ( لا تنتقد بشكل بناء ) هكذا يهاجمك المداحون . لقد أطلت بالمقدمة فلنبدأ إذاً :
لقد أُنعم علينا بأننا نسكن في مشتى الحلو وبما أن الشيء وضده دائماً متلازمان ومتصارعان ( وهذا منطق جدلي طبعاً ) فإن نعمتنا بوجودنا في المشتى ( التي كانت رائعة ذات يوم ) قد ابتُليت بكل الآفات التي لحقت بها لكونها مصيفاً , فبعد أن كانت بطبيعتها وهوائها وأشجارها وسواقيها لأهلها أولاً ثم للزائرين ثانياً فقد أصبحت للزائرين ( الملاكين ) لاحقاً وأبداً وما نجم عن ذلك من مصائب , والمصيبة الكبرى أنه من رفع صوته ليشكو ذلك أتهم بالمشاغب ( المشكلجي ) هذا إن كان من أهل المشتى أ ما إذا كان من عيون الوادي أو من المهيري مثلاً فالويل الويل له فهو ينتقد الحضارة لأنه متخلف وينتقد المشتى لأنه حسود . وبالرغم من أن عيون الوادي والمهيري بقيتا كضيعتين مثالاً لحفاظ أهلهما عليهما من خضرة ونضرة وسواقي وبالتالي الحفاظ على علاقات اجتماعية لا زالت طيبة وجيدة ومتوازنة , فإنه ما أن ينتقد أي شخص من هكذا ضيعتين ما حصل بالمشتى من تخريب ( عمراني ) ولو بشكل طيب حتى ينبري بعض ( الغيورين على المشتى ) ليهاجموه بألذع الكلمات وأعيبها لأنه لا يمت للحضارة بشئ فليس في ضيعته تجار بناء يقضون على الأشجار والأنهار والسواقي والينابيع وليس بضيعته أيضاً ( مصطافون وأخوة خليجيين ) يملكون ويتملكون وما ينتج عن ذلك . وبالتالي فهو وضيعته بعيدين عن الحضارة والتقدم والازدهار . وعندما تعاتبهم بأن الناقد معه حق فهو بكلامه حريص على المشتى أكثر من بعض أبنائها ( الغيورين ) يبكون ويتباكون ويقولون يال المشتى المسكينة لا يوجد فيها أراضٍ للزارعة ولا مصانع فكيف تعيش بدون الاصطياف ويذكرني ذلك بمسرحية زياد الرحباي ( بالنسبة لبكرا شو ؟ ) ففي قمة الحوار تراجيدوكوميدي بين بطل المسرحية وزوجته التي آتى بها إلى الحضارة في بيروت لتعمل في بار وما نتج عن ذلك من أن أصحاب البار يريدون أن يرسلوه إلى الخليج ليعمل في بار هناك وزوجته وحدها تبقى في بارهم في بيروت . يقول بطل المسرحية هاذئاً من صاحب البار ومقلداً له ( شو بدنا نعمل مافي عنا زراعة وما في صناعة ما في مواد أولية ) . شو بدو يعمل يا ويلو ويا ويلنا نحنا متلو ما في عنا غير الآجار والاستأجار والبيع والشري !! . ما في عنا غير السياحة !! .
وبالرغم من أن السياحة هي أنواع فهناك السياحة التجارية وهناك السياحة الثقافية منها سياحة تاريخية ومنها سياحة مناخية وغير ذلك وبالرغم من أننا قادرين على إنتاج السياحة التي نريد ولكن لحسن حظنا وحظ المشتى المسكينة أختاروا لنا السياحة التجارية والتي اصبحت مع الوقت فيها أراضينا وبيوتنا بضاعتها التي تباع وتشترى تحت أعيينا ونحن لا نستطيع أن فعل شيء . فهنيئاً للمطبلين والمزمرين لهذه السياحة ( الغيورين على المشتى ) بهذه السياحة العظيمة وأرجو ألا يدعوا أحدا ينتقد أي شيء لأن الغسيل المتسخ لا يهم أن يبقى متسخ ولكن الأهم أن لا يبان . ويجب أن تبقى المشتى يوتوبيا في فكر ( بعض الغيورين ) حتى ولو أصبحت مزرعة للغرباء في الواقع
ملاحظة : يوتوبيا تعني المكان أو الزمان أو الفكرة الخيالية أو المتخيلة وغير الواقعية
ماهر جرجس