جبسة من عند ايوب
(قرأت منذ أيام أن "المعارضة اللبنانية ما زالت تعتبر أن العماد عون هو من يمثلها في أيّة مفاوضات ستجري مع الأغلبية" أو بمعنى اخر "من يريد شيئ من المعارضة عليه أن يتحدث مع الجنرال".. فتذكرت تلك الحكاية..)
جرت الحكاية في زمان كان يتزاحم فيه السنديان مع بيوت الشل على احتلال المنحدر المُسمّى "مشتى الحلو".. كانت الشوارع المُتربة تعج برائحة حريرة العنب في تشرين الأول, و برائحة اليانسون في تشرين الذي يليه, و برائحة خبز التنور في كل وقت..
ليلاً كانت تُضاء مصابيح (اللكس) فتجتمع حولها العائلة والأصدقاء ليتسامرون و يتبادلون الحكايا و تين (الهبّول) و نبيذ الخوابي.. لكن سريعاً ما كانت تسكت شهرزاد عن الكلام المُباح, فتهمد الأضواء الخافتة رويداً.. الواحد تلو الاخر.. لتترك الضيعة نهباً جميلاً لأحلامها..
كانت الاحلام خجولة و تدخل الضيعة كل يوم (من الطريق الغربي غالباً) لتعبث بكل شيئ, أو لتعيد رسمه بصورة أجمل..فتشبع فيهاالبطون و يلتقي العاشقون, و يتوقف دلف السطح, ويحمل شجر التين والتفاح كما لم يحمل شجراً من قبل.. و يشتري جرجس حاكورة مخول, و تتزوج نسطة عريس لقطة, و يسافر امطانيوس الى امريكا, ويعثر جبرا على عنزته الضائعة, و ترزق بربارة بتوم صبيان (بعد طول انتظار) في نفس اليوم الذي تموت فيه حماتها (بعد طول انتظار ايضاً)..
كانت احلام البارحة تصبح من حكايا اليوم.. امّا باقي الحكايا فكانت تتفاوت من سيرة الزير سالم وحتى نهفات... أيوب الجرجس (مثلاً)..
أدرك أيوب (و هو أبو ستالين و كان يشغل نفس الدكان الذي يشغله ستالين اليوم في ساحة المشتى) أنه قد ارتكب خطأ فادحاً..
كانت تباشير الخريف قد بدأت (مع نسمات غير عليلة تأتي من الشرق) عندما غامر بانزال حمولة من الجبس امام دكانه..
مع بدء الخريف يصبح الجبس رخواً في داخله (مفوّت) بعد أن مرّ عليه قيظ الصيف و عضّته نسمات ايلول الباردة, ثم ان اهل الضيعة في هذا الوقت (بتكون طلعت روحهم) من أكل الجبس..
بعد عدة أيام كانت كومة الجبس قد نقصت الجبسات القليلة التي أخذها ايوب معه الى البيت..
كان ايوب يجلس امام دكانه ويبدو مهموماً عندما مر صديقه الدكتور سعيد (وهو انذاك الدكتور الوحيد في المنطقة)
ـ كيفك يا خيّي ابو جرجس
ــ زفت, مانك شايف هالكومة الجبس, صرلا خمس تيام ماحدا قّلا مرحبا..
نظر الدكتور سعيد و ابتسم ابتسامة واسعة.. كانت كومة جبس هائلة تكاد تسد الطريق..
ـ الله بيعين.. كان كل ما قاله الدكتور سعيد قبل أن ينصرف
ـ يلعمى شو بخيل.. لو انو اشترالو شي جبسي مع "الله بيعين"
في اليوم التالي و قبل أن تعتلي شمس خريفية خجولة قبة السماء كانت كومة الجبس امام دكان ايوب قد اختفت.. كان مشهداً غريباً يجري في ساحة المشتى, فكل المرضى الذين زاروا عيادة الدكتور سعيد في صبيحة ذلك اليوم, كانوا يخرجون من العيادة و (بوشّون) يذهبون إلى دكان أيوب, و في يد كل منهم (مهما كانت شكواه) وصفة طبيّة كتب في السطر الأول فيها:
1ـ جبسة من عند ايوب..
فادي شماس
ماينز ـ المانيا
26ـ 4ـ2008
تعليق:
اعتقد ان الدكتور نائل سلوم بعد أن نجح في اختراق أسوار الجويخاتي و هب الريح أصبح يضمّن وصفاته الان عبارة "عشاء عند رامي خوري"
التعديل الأخير تم بواسطة : فادي شماس بتاريخ 27-04-2008 الساعة 12:03 PM.
|