عودة السمّن
تشرق في هذه البلاد شمس مباغتة.. ما أن تطل برأسها و تدفق ذهبها الدافئ حتى تسرع لتختبئ مجددا خلف الغيوم, و كأنها فتاة صغيرة تعشق لعبة الاستغماية, أو كأنها تخجل من النظر طويلا الى هذا العالم..
و ربما بسبب تلك الشمس المشاكسة طور الالمان دبناميكية مذهلة في فن مقاهي الرصيف, فما أن تشرق الشمس هنا حتى تمتلئ الارصفة بالكراسي والطاولات (يعلم الله من أين تنبع) وخلال دقائق لن تجد مكاناً شاغراً..
البارحة كان يوم عطلة في المانيا (الاثنين الابيض) و كانت مدينة ماينز تستلقي كحسناء على ضفة الراين.. تختال بكاتدرائيتها الباسقة, بقرميد بيوتها الملون وغاباتها الخضراء تحت شمس ساطعة.. بينما راحت الزوارق الشراعية تنساب فوق نهر غسل دماء الحروب القديمة و أعلن حبه الازلي لطيور البجع..
كنت جالسا الى واحدة من تلك المقاهي و أمامي كأس يتسع لليتر كامل من الجعة الالمانية الرائعة, بينما رحت امطمط جسمي كحردون يقف على أطلال "خربة راغب" في مشتى الحلو (قبل تحويلها الى بناية شنيعة من سبعة طوابق)
في الساحة الصغيرة امام المقهى كانت فتاة في زي مهرج مع ابتسامة بيضاء وأنف أحمر توزع بالونات ملوّنة على الاطفال, بينما راح موسيقي جوّال يرتدي ثياب البحرية السوفييتية يعزف علي الاكورديون موسيقى "البولكا" و يطلق أغنية ما تزال تحتفظ ببعض هدير فخور رغم غبار صوته, و كان من حين لاخر يومض بعينيه شكرا عندما يلقي أحدهم نقوداً قليلة في قبعة البحرية السوفييتية الشهيرة.. كانت القبعة ملقاة على الارض بشكل مقلوب.. خصيصاً لهذا الغرض..
على النجيل المقابل والذي يفصل المقهى عن نهر الراين كانت تستلقي مجموعة من الشابات والشبان في ثياب السباحة لتلقّي حمام من أشعة الشمس و شيئاً من سُمرتها..
عبرت بناظري سريعاً فوق الزوارق الشراعية و طيور البجع و أجساد الحسناوات في ثياب السباحة (ربما كان ناظري هنا كان أقل سرعة) ثم رحت أراقب الطيور والعصافير التي تملأ المكان و تقفز عابثة هنا و هناك بين أقدام الجالسين ..
فجأة لمحت طائرا صغيرا أصابني بالذهول .. كان سمّنا يقفز قريبا مني..
عدت بذاكرتي إلى أيام الشقاوة (غير البريئة) في مشتى الحلو حيث كنا نخرج كجيش هزه نداء "وا معتصماه" لنلطي في "القشعات" او "المكسر" لطيور السمّن المهاجرة والتي تعبر (مرغمة) فوق سماءنا..
قلّما يحطّ السمن في بقاعنا, و هو يطير مرتفعاً مع تباشير الصباح أو مغيب الشمس معوّلاً على الضوء الخافت و على سرعته كي (ينفذ بريشه)..
ترتفع "القشعات" فجأة (لمباغتة السمّن) خلف وادٍ مواجه لعبوره في رحلته نحو الجنوب (ليس باستطاعة جوليوس قيصر أن ينتقي موقعاً أفضل لشن الحرب) .. و ما أن يبدأ السمّن بالظهور حتى ينهمر الرصاص و تشتعل أم المعارك و كثيرا ما تسقط سمّنة واحدة برصاص أكثر من صياد و عندها قد يبدأ العراك على الجسد الممزق للطائر الصغير..
تصيبني هذه الذكرى بالكابة, لكنها لم تكن سبب ذهولي عند رؤية السمّن يقفز قربي البارحة .. كان ذهولي ينبع من تلك الحقيقة البسيطة "إنه السمّن نفسه".. إن سمّن "القشعات" هو نفس سمّن البارحة.. فهو طائر مهاجر يطير إلى افريقيا و جنوب اسيا في الخريف ثم يعود في الربيع إلى اوروبا..
ليس صحيحاً (كما نظن) أن السمّن طائر جَفِل و مصاب برهاب البشر, فهو هنا يقفز بين أقدام الجالسين و أجساد الحسناوات (لا أدري لماذا أصر أن أضيف كلمة حسناوات.. ولا أظن أن الامر يعني أي شيئ للسمّن)..
الصحيح اذاً أن السمّن مصاب برهابنا ...رهاب العرب (أرجو أن لا اُتّهم بـ "اضعاف الشعور القومي" و سيكون من الانصاف توجيه التهمة للسمّن اذا كان لا بد من توجيهها)..
ثم هناك أمر اخر يدعو للدهشة..
كثيراً من تلك الطيور تهاجر للمرة الاولى هذا يعني أنها لم تمر من قبل بتجربة عبور "القشعات".. (أو أي قشعات أخرى في هذا الوطن الواسع المحب للطيور.. و البشر) و لا أظن أن امهات السمّّن تستطيع أن تنقل لها خبرتها الخاصة (ليس لغوياً على الأقل) ..
يقول علم الأحياء ان الحيوانات و الطيور تحيل خبرتها المتراكمة عبر السنين الى سلوك غريزي ينتقل وراثياً... و هنا تبدأ الاهانة:
لقد مر ما يكفي من السنين, و كان طائر السمّن يعيش نفس التجربة كلما طار في سماءنا (هذا لو عاش).. ثم يعيش تجربة مختلفة تماماً في سماء أخرى.. حتي صار عنده تصور غرائزي.. لخريطة العالم:
هنا يسكن (البشر) حيث يمكنني أن اقفز بين أقدام الجالسين في المقاهي و... أما هناك فيسكن *** (لا أعرف ما هو الاسم الذي يطلقه علينا السمّن... لكني لا أظن أنه اسماً جيداً)..
في المساء التقيت بخلدون و هو طبيب فلسطيني مقيم في المانيا و مقيم أيضاً على مذهب العروبة (النابض).. كانت قصة السمّن ما تزال تشغل تفكيري (حتى انها أزاحت جانباً اعصار بورما و زلزال سيتشوان و حرب شوارع لبنان)..
أخبرت خلدون عن سلوك السّمن (الذي يكيل بمكيالين)... سرح قليلاً ..تبصر بفكره ثم أجابني باسماً
"لا بد أ السمّن عميل لامريكا"
فادي
ماينز 13.05.2008
التعديل الأخير تم بواسطة : فادي شماس بتاريخ 14-05-2008 الساعة 10:26 AM.
|