6
ـ هذا هو المكان السري ...الذي دلّني عليه والدي المرحوم ...عادةً لا أقول مرحوم...هذا مكان الصلاة الخاص ...والقراءة الخاصة...وهو المكان الذي نُحِـرَ فيه توما الكبوشي ...وصُفّي دمُه ...طبعاً نحن أبرياء من ذلك ..لا علاقة لوالدي، أو لي، بأي خرافاتٍ من هذا النوع ...كان الحاخام موسى هو المسؤول عن كل العملية ....
ـ موسى أبو العافية ..
ـ نعم هو ..موسى أبو العافية ..أو ..محمد المسلماني كما سمّى نفسه فيما بعد أمام القاضي العثماني ...حين أعلن اعتناقه للإسلام...
ـ وخلع الرداء الأسود ولبس محلّه جبّة بيضاء ...
ـ كل هذه القصة غير مهمة ...المهم أن المكان ما يزال موجوداً...أردت أن أعرف لماذا اختار الرجال السبعة عشر هذه الباحة المخفية لتنفيذ طقسهم...ماذا يوجد هنا ؟! قرأتُ كل الكتب ...والمخطوطات ...ودرستُ كل الإشارات ..وعلامات الجدران والأرضية ..
ـ كان يوجد في بيت العابد مكان مثل هذا المكان..لم أكتب عنه في أوراقي...
ـ حقاً ...؟ وكيف كان ؟!
ـ قاعة في الطابق الثالث ...جدرانها من خشبٍ ملبّس بالعجمي ...وعليه حفرت أسماء الأنبياء والخلفاء الراشدين ...وأحاديث نبوية هنا وهناك...كتب ومناضد من خشب مزخرف ...حتى أن زاوية منها كانت تضم الفاترينا التي أُهديتْ للرئيس العابد وكُتب عليها (تقدمة لدولة الرئيس محمد علي بك العابد).
ـ بالمناسبة ..من هم آل العابد؟!
ـ آل العابد انحدروا من عشيرة الموالي المشارفة. و قد استوطن جدّهم محمد بن الأمير قانص في حي الميدان بدمشق عام 1700. حيث عمل أفراد الأسرة بتجارة الحبوب و المواشي و أصبح لهم نفوذ واسع في حي الميدان.
كان أول من برز في دمشق من رجال هذا البيت عمر آغا العابد الذي أجار مسيحيي حي باب مصلّى، و أوقف بفضل نفوذه سكان الميدان من مهاجمة حي باب توما و المشاركة بأعمال الشغب في صيف العام1860..
أعاد هولو باشا تشييد هذه الدار التي عرفت باسمه في سوق ساروجة،وهي دار واسعة تمتد بين حارتي القولي و المفتي، و لما تولى محمد علي العابد ـ حفيده ـ رئاسة الدولة السورية عام 1932 م جعل قسماً منها مقراً مؤقتاً للرئاسة لعدة أشهر، انتقل بعدها إلى قصر مصطفى باشا العابد في حي المهاجرين. و في مطلع خمسينات القرن العشرين قام سليم اليازجي بشراء هذا المبنى و أنشأ فيه المدرسة الثانوية الأهلية،بعد أن كان اسمها المدرسة الأميركية.
من أولاد هولو أحمد عزت باشا الذي مات سنة 1924، الذي درس في المكاتب الإسلامية في الميدان, ثم تابع تحصيله العلمي في مدرسة البطريركية في بيروت. عين كاتباً في مجلس إدارة الولاية, و ما لبث أن تولى رئاسة محكمة التجارة في دمشق. و في سبعينات القرن التاسع عشر عمل رئيساً لتحرير مجلة سورية الرسمية و في العام 1878 أصدر جريدة دمشق، ثم تولى تفتيش العدلية في دمشق ثم في سالونيك, و نقل منها إلى رئاسة المحاكم التجارية المختلطة في استانبول، و من ثم أصبح واحداً من أقرب المقربين إلى السلطان عبد الحميد الثاني حيث عُيّن عضواً في مجلس شورى الدولة و أصبح ثاني أمناء السر للسلطان.
كان لأحمد عزت باشا الفضل في تحقيق عدد من المشاريع في بلاد الشام. وأهم هذه المشاريع, بلا شك, هو مدُّ الخط الحديدي الحجازي حيث أقنع السلطان بأهمية هذا المشروع، و أنفق عليه من ماله الخاص. و كذلك مشروع إنشاء خط الترام في دمشق و إنارة مدينة دمشق بالكهرباء. كما أنه قام بشراء دار الحكومة القديمة في ساحة المرجة و هدمها و أقام مكانها بناء على الطراز الأوروبي ليكون فندقاً، وما زال هذا البناء يحمل اسمه إلى اليوم.
أما ولده محمد علي العابد الذي ولد في العام 1867 ورحل في سنة 1939 فقد تلقى تعليمه في استانبول و درس الحقوق في باريس ثم عُين سفيراً للدولة العثمانية في الولايات المتحدة الأمريكية بين عامي 1905-1908. وبعد الحرب العامة الأولى، و وقوع سورية تحت الانتداب الفرنسي، عين وزيراً للمالية فيها، ثم انتخب أول رئيس للدولة السورية بين الأعوام 1932-1936.
أما نازك العابد فقد أتقنت العربية و التركية وشاركت في الحياة السياسية و طالبت و عملت على تحرير المرأة من الأمية والجهل والتقاليد المتخلفة. و أنشأت أول جمعية نسائية عام 1914 دعتها (نور الفيحاء) ثم تعاونت مع عدد من سيدات دمشق وفتياتها و أسّسن مدرسة (بنات الشهداء العربيات). وعملت في الصحافة أيضاً، فكانت لها مجلتها التي أصدرتها في العام 1920 باسم (نور الفيحاء) أيضاً وكانت المجلة نسائية أخلاقية أدبية, صدر منها تسعة أعداد. ومن جانب آخر فقد شاركت في إقامة فرع للصليب الأحمر الدولي في سورية، وكانت أول رئيسة له، و قد تندهش إذا عرفت أنها شاركت بمعركة ميسلون و حاولت إنقاذ حياة يوسف العظمة، قائد الجيش السوري المستقيل...هل سمعت عنه؟
ـ من؟...يوسف العظمة؟
ـ نعم
ـ طبعاً...أكمل كلامك عن تلك السيدة...
ـ منحها الملك فيصل ملك سوريا،مرتبة فخرية، كنقيب في الجيش السوري.. و بعد انتقالها للعيش في بيروت مع زوجها قامت بتأسيس عصبة المرأة العاملة هناك.
ـ حسناً ...يبدو أنك لم تنس شيئاً عن هذه العائلة ...
ـ لا ..ولن أنسى أيضاً بقية تفاصيل القاعة العجمية في البيت الكبير ..
ـ هل هناك تفاصيل أخرى ؟
ـ نعم والأكثر إثارة ...
ـ كيف؟
ـ اكتشفتُ أن المكان عبارة عن مسجدٍ صغير في الطابق الثالث ...مسجد للصلاة ...وفيه محراب ...وكل شيء طبيعي ..
ـ طيّب ..؟
ـ لا ...حين تنتبه جيداً ستكتشف أن محراب المسجد لا يتجه إلى القبلة..إلى مكة والجنوب ...والكعبة ...
ـ نعم ؟
ـ نعم ..المحراب يتجه إلى الشمال ... إلى استانبول !!
* * *
وصلنا إلى معادلة معقدة ، ليندا وأنا، فهي لا تستطيع أن تتجاهل أنها يهودية محترفة، وفي الوقت نفسه تعتبر أنني مسلم، فائق، ومتطور، وأنا أظن أنها لم تكن يهودية كفاية، بل كانت مزيجاً من صبايا الأندلس المخلّطات بمذاهب عدّة وثقافاتٍ مختلفة.
تعرفُ أنني سأبقى في المدار ذاته..أحب وأشرب وأكتب وأرسم ما أكتبه، وتعرف أيضاً كل ما أفكر فيه، ولكن دهاءها الفطري لم يساعدها على الإمساك بمفتاح الذهب الذي يعمل على جميع انفعالاتي.
صارت تحلم بزواجٍ عاصف، وبحياة مميزة وفاتنة، كما كنا نعيش فوق في تلك الغرفة عند أبو غازي، وكنت أبحث عن المزيد من ذلك الذي يحدث فوق، في آخر أدراج غرفة أبو غازي،المزيد من الكتابة الجديدة وقصيدة النثر التي لم يكتب مثلها في البلاد.
تهديدها بتركي جعلني أفزع، وأتصرف على عكس ما كانت تتوقع..فقد ظنّتْ أنني سأزداد التصاقاً بها ...بينما كنت أتصرف كفارسٍ بلا فرس، ماذا يفعل ...؟ ليس له سوى الركض إلى البعيد ....ولم أبحثْ عنها ...
أخبرني إخاد بأنها صارت هناك ....في كريات شمونه.
* * *
إنسان الشرق الأوسط الجديد، يجب أن يكون يهودياً ، ربما تبدو هذه الفكرة عنصرية، ولكن ببعض التفكير المتأني، ستقودك الملاحظات إلى إسحق لوريا و الحلولية الكمونية الواحدية وهي رؤيتنا للواقع، نحن نرى أن الإله قد حل في العالم وتوحد معه حتى أصبح غير متجاوز له، ومن ثم أصبح الإله والإنسان والطبيعة شيئاً واحدا، وتم إلغاء ثنائيات(الخالق والمخلوق، الإنسان والطبيعة، الكل والجزء، العام والخاص) لتظهر الواحدية الكونية المادية، واحدية تؤمن بذاتها أي بما هو كامن فيها ولا تؤمن بشيء خارج عنها متجاوز لها.
و هذا النموذج في مقابل نموذج (التوحيد والتجاوز)، وتصبح العقائد الوثنية محاولة إنزالٍ للآلهة من السماء إلى الأرض (وإدخالها في نطاق المرجعية المادية الكامنة)، بحيث تخضع لقوانين الأرض الطبيعية المادية. ومن ثم يخضع الإنسانُ هو الآخر لهذه القوانين، إذ كيف يمكنه تجاوزها إذا كانت الآلهة ذاتها خاضعة لها، مستوعبة تماماً في الواحدية المادية الكونية؟
لسنا وثنيين، ولكن النـزعة الوثنية لا تختلف في هذا عن النزعة العلمانية المادية الطبيعية التي تُرجع كلّ شيء إلى الطبيعة ـ المادة، وتُنكر أي إمكانية للتجاوز الإنساني.
أما الديانات التوحيدية، فهي نوعٌ من محاولة الصعود بالإنسان إلى الإله في السماء (وإدخاله في نطاق المرجعية المتجاوزة). فالإنسان بما فيه من رغبة التجاوز له قانونٌ خاص، ووجود مستقل عن المادة وعن الطبيعة.
كان ذلك يتطوّر بسرعة حتى سيطرتْ (القبّالاه). أي الاتجاه الصوفي اليهودي اللورياني خصوصاً، نسبة إلى الحاخام إسحق لوريا. ونموذج (الحلولية الكمونية الواحدية) مكمّلٌ ومتداخلٌ مع النموذج الأول، فيمكن القول بأن (العلمانية الشاملة) هي وحدة الوجود المادية التي لا تختلف عن وحدة الوجود الروحية إلا في تسمية المبدأ الواحد الكامن.
فبينما نسمي هذا المبدأ (الإله) في وحدة الوجود الروحية، فهو يُسمّى (الطبيعة ـ المادة) في (وحدة الوجود المادية).
هل انتبهتَ يا إبراهيم ؟...نحن لا نميّز كثيراً بين أن تكون من سلالة أو لا..الصوفية اليهودية انفتحت الآن كدعوةٍ كبرى...هل تعرف مَن آخرُ من اعتنق مذهبنا؟..إنها مادونا ..المغنية الأميركية ..الأيقونة ...وقد غنّت منذ فترة قصيدة للوريا ...
تبقى مشكلتنا نحن يهود الشرق الأوسط...اليهود العرب كما يسموننا هناك، ألم تقرأ ما كتبه بن درور يميني السنة الماضية؟...قال بالحرف الواحد ،وهو يصفنا( إنهم يعلمون أن العالم العربي غارق في تخلف فظيع ورهيب، خاصة بسبب المشاكل المتعلقة بالقمع الداخلي، وبالتحريض المحلي، وبفساد السلطة، وبقهر المرأة وما إلى ذلك).
سامي شالوم شطريت وحده يقبل أن يصف نفسه بأنه يهودي عربي، وهو يكتب ضد الثورة الأشكنازية البشعة، لعله يشعر بذلك لأنه من المغرب، أبعد قليلاً عن الشرق الأوسط وهو ما يزال يتمتع بثقافة أندلسية بشكل أو بآخر ..
أعرف كل ما يدور هناك دون أن أذهب، هذه الأرض مقدسة عندي أيضاً كما قلت لك سابقاً، وعمّا قريب سيصبح الكوكب كله أرضَ الرب الكبرى، قرأت لمائير بوزجلو وهو مشرقي أيضاً، يتساءل بوزجلو...هل العربي الذي يهتم بالموسيقى الكلاسيكية الغربية ويفضّل شكسبير على عمر الخيام،أقل عروبة من غيره؟ وعلى نفس المنوال، فالشرقي الذي يعتبر نفسه عربياً، سواء أخطأ في هذا أم لا، لا يمكن أن يعتبر نفسه غير عربي لمجرد تبنّيه لقيم متحضرة... ولن يحدث ذلك إلا إذا أصبح التخلف مرادفاً للعروبة. هذه نظرة عنصرية بكل ما تعنيه الكلمة.
لا حلّ لذلك يا إبراهيم ...سوى في أن يتبنّى العرب قيماً متحضرة،مثل حريّة التعبير وما شابه ذلك، وألا يتركوا الهُوية العربية حكراً على المتعصّبين.
هذا يثبت نظريتي حول وجود ثقافة يهودية عربية مشتركة، تضم في طياتها أفضل الشعراء، من الحاخام يهودا هاليفي الذي يعرف باسم أبو الحسن اللاوي وهو شاعر يهودي عاش في الأندلس، وقد كتب في مختلف أغراض الشعر...ألست مولعاً بالأندلس؟...على الأقل تذكّرك بليندا..بالمناسبة سمعت بأنها بعد استقرارها هناك اعتادت على قضاء عدة شهور في غرناطة وقرطبة، حاول أن تتصل بها..وإذا أردتَ أستطيع العثور لك على عناوينها ..إيميل أو أي شيء ..لنعد إلى حديثنا هناك أيضاً، الحاخام شالوم شبازي، الذي يعدّ من كبار شعراء يهود اليمن، عاش في القرن السابع عشر، و معظم أشعاره أصبحت ضمن كتب الصلوات الخاصة بيهود اليمن، ويحظى حتى اليوم بالاستحسان.. ناهيك عن أن معظم الديانة اليهودية مكتوبة بالآرامية والعربية، وليس باللاتينية أو الألمانية،واليهودية نفسها عربية أكثر من كونها غربية.
ومع ذلك فإن بن درور يعود دائماً ويختم كلامه بالعبارة التالية في معاريف:
(إذا كانت العروبة هي التيار الذي ضاق بخداع الذات، وبالقهر..فإن عبدكم المخلص يعلن أنه يفخر بأنه عربي)...
* * *
من هو غير الطبيعي؟.. إخاد أم محمد شوق أم ليندا أم أنا ؟ هناك أيضاً صديقتي الصحفية نور التي تشبه ميغ رايان، وهناك المزيد ...المزيد.
* * *
هذا الفجر .. أستيقظُ كوحيدٍ في دمشق، الهواء البارد يدور حولي ويأخذني إلى حيث يجب أن أذهب.
الطريق إلى الأربعين، يجب أن تمرّ من حارة التغالبة، قرب الشيخ محيي الدين ابن عربي، ثم ترتفع قليلاً إلى فوق على ضلع قاسيون، ثم تختفي البيوت ويبدأ الدرج العاري بين الصخور، حيث أن التفاتة واحدة إلى الخلف ستجعلك تعدل عن إكمال مشوارك، سترى الشام كما هي، قبل أن ترتفع السحابة اليومية من الدخان والكربون ..لتجعل كل شيء رمادياً.
إذا جلست على صخرةٍ ما، لتدخّن سيجارة ستراقب ما يحدث قرب فندق الشام، وستتذكر كيف جعل أحمد معلا ، مقهاه القديم، مرسماً للوحاتٍ يصنعها من الورق المجعد والقهوة، في طريقه إلى الشهرة ..
وسترى المثلثات فوق الجامع الأموي، وقوس باب توما، وسور دمشق الذي تسلّم عليه كلما عبرتَ قربه وتلمس أحجاره الحية، وستلمح ما يطير من سنونوات فوق مدرسة التجهيز قرب حديقة فكتوريا، والتكية السليمانية ومآذنها وقبابها الصغيرة،والجامعة، ولن تحتاج إلى عدسات مكبرة لتقرأ ما كتب على قبور موتى المدينة، من معاوية بن أبي سفيان إلى نزار قباني وابن قيم الجوزية والرئيس شكري القوتلي وصلاح الدين الأيوبي.
لن يسبقك أحد إلى الأربعين...الآن،تحتك، سيظهر مقام الشيخ خالد ذي الجناحين..النقشبندي الكبير الأول ...والشيخ إبراهيم الناريّ: اللهم صلّ صلاةً كاملة وسلّم سلاماً تاماً على سيدنا محمد الذي تنحل به العقد وتنفرج به الكرب وتقضى به الحوائج وتنال به الرغائب وحسن الخواتيم، ويستسقى الغمام بوجهه الكريم وعلى آله وصحبه أجمعين في كل لمحة ونفَس، وعدد كل ما هو في علم الله وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين...الصلاة النارية التي اخترعها الشيخ إبراهيم ...
حين ستتذكر ذلك...ستتذكر معه أولياء الصالحية، وظهوراتهم في الليالي، بين الناس، أمرٌ عاديّ ومألوفٌ ولا يتوقف عنده أحد..أن يقول لكَ أحدُ سكان الصالحية أنه رأى ليلة الأمس شيخاً يطير من سطح إلى سطح، وآخر يعبر حافة جدار شاهق في ذهابه إلى العتمة...يروون ذلك وهم يتناولون الفول مع خبز الصاج ...وينتقلون إلى مواضيع أخرى ...
يرن الموبايل ـ لم أعد أذكر هل كنت أملك جهاز موبايل وقتها أم لا ـ على كل حال، سيرن الموبايل ...أنظر إلى الرقم ..إنه إخاد ...لن أجيب..ماذا يريد في السادسة صباحاً ؟...
المهم أنه أخرجني من تأملي..سأتابع الصعود إلى الأربعين ...يرن الموبايل مرة أخرى ...لن أجيب ...سأرى من المتصل لابد أنه إخاد ..لا ...رقم جديد...قد يكون اتصل من رقمٍ آخر كي يتمكن من الإيقاع بي..يهوديّ...لن أجيب ...أكاد أصل ...ها هو المقام يقترب، والدرجات انتهت..أصبح عليّ أن أمشي فوق أنبوب الماء الذي يأتي من الأعلى من الأربعين ...وزلة قدمٍ واحدة ستهوي بي إلى الأسفل إلى حضن المدينة التي أتعشّقها.
* * *
ـ نور ستتكفل بكل شيء لا ينشغل بالك...
ـ هل اتفقتِ معها على ذلك ؟
ـ نعم ..وهي تنتظرنا قرب باب المتحف..
ـ لماذا تنتظرنا ؟..لم لا تدخل قبلنا ..
ـ لا أعرف...هي فضّلت ذلك مع أني أخبرتها بأنك تعرف الطريق إلى دورا أوروبوس...
* * *
اسمع إخاد ...لطالما شدّني سؤال حول يهود الشرق، وفكّرت كثيراً بأناس مثل شحاته هارون ولد شحاتة هارون آ..لا تعرفه ؟! ولد في القاهرة لأبوين مصريين يهوديين، أصوله سورية، وجاء أجداده لمصر في القرن التاسع عشر، وعمل والده (الخواجة هارون) ـ كما كان يطلق المصريون على اليهود في أوائل القرن العشرين ـ بائعا في محل (شيكوريل) لأزياء الملابس.
بعد ذلك أرسله والده إلى مدرسة (الفرير الكاثوليكية)، ولما وجده لا يعرف أصول الديانة اليهودية أحضر له حاخاما لتعليمه، ثم حين لاحظ ضعفه في اللغة العربية، أحضر له شيخا أزهريا ليعلمه قواعد النحو والصرف، حتى أنه يقول عن نفسه: (إن الديانات الثلاث قد أثرت بشكل أو بآخر في تكوين فكري).
ـ أعرفه يا صديقي دعني أتابع لك كيف سارت حياته، درس الحقوق في جامعة (فؤاد الأول)، وانضم إلى التنظيمات الشيوعية التي ماجت بها القاهرة في الأربعينيات، وتم القبض عليه سنة 1946..
عندما بدأ ترحيل اليهود المصريين، رفض شحاتة السفر، وتمسك بجنسيته المصرية، وكان قد اشترك مع القوى اليسارية في تكوين (الرابطة الإسرائيلية للكفاح ضد الصهيونية) في نيسان سنة47، ووقّع بيانها خمسة من اليهود اليساريين، وكان يقول: لن أترك مصر، ولو قطعوا رقبتي، إنها وطني.
عمل في المحاماة وتخصّص في تسجيل ورعاية براءات الاختراع، وتعرض مكتبه لفرض الحراسة من الدولة عام 56، واعتقل عدة مرات عام 67 و75، بسبب الشك في ولائه لمصر، وفي الـ 79 بسبب معارضته لاتفاقية كامب ديفيد، وكان مطلوبًا في أحداث سبتمبر 81 وفق قرارات التحفظ على القوى الوطنية في مصر.
ـ ولكن أنت لا تنصف الرجل .. لم لا تكمل إخاد.. عن ما كان يفعله شحاته هارون؟ ...في العام 1967 فتحت نقابة المحامين المصرية باب التطوع لمساندة القوات المسلحة، فكتب شحاتة إلى النقيب أحمد الخواجة يقول:
(عزيزي أحمد، تحية كفاح أبعثها إليك مع استمارة التطوع.. تاركًا لك اختيار المكان الذي أستطيع فيه أن أؤدي حقي وواجبي في المعركة، إذ أعتبر مجلس النقابة قيادة لي)
أو رسالته إلى محمود درويش عندما خرج من حيفا التي قال له فيها(تحية من القاهرة، صخرتي التي لن أبيعها باللآلئ.. حبيبتي التي لن أهجرها.. أنت وأنا الأمل.. لو عدت أنت لحيفا، وصمدت أنا في القاهرة)..
ـ هه ...هذه رومانسيات ....لن يفيد الانخراط في النسيج العربي المتخلف...ولكن المهم خلق فكرة جديدة للأطراف كلها..كان أبي يعرفه..حتى أن بيننا صلة قرابة ما ..
ـ رومانسيات !!!
ـ نعم رومانسيات ..وتطهّر ...واغتسال من دنس مسبق في الذهن....ليس هذا ما أريده ..
ـ سأروي لك المزيد عن شحاته ...كان له ثلاث بنات: منى ونادية وماجدة، ولم تعرف نادية وماجدة بحكاية أختهن الكبرى إلا بعد أن كانت صغراهما في الخامسة عشرة، لأن منى ماتت وهي صغيرة، وكان شحاتة يمزق كل الصور الخاصة بها، لأنه لا يريد أن يتذكرها أبدًا.
أصيبت منى في الخمسينيات بمرض في الدم، وكان لا بد أن يتوجه إلى باريس لعلاجها.. فتقدم بطلب التأشيرة، ولكن السلطات أبلغته بأنه إذا سافر فلن يعود إلى مصر أبداً..
وبعد جدال طويل قرر أن يبقى في مصر، حتى لو كان هذا يعني أن يفقد ابنته الكبرى، وهذا ما حدث في ظل الإمكانات الطبية المتاحة بمصر آنذاك، وقد حزن عليها كثيرًا، وأحرق كل الصور الخاصة بها، لأنه يريد أن ينسى الأمر.
وحينما زار (إيجال بادين) نائب رئيس الوزراء الإسرائيلي القاهرة عام 79 ذهب للصلاة في الكنيس اليهودي بالقاهرة، فدخل شحاتة بعد تعرضه لتفتيش دقيق، وقال له: إنني كمصري أرى أن المعاهدة مهينة بحق كرامة شعب مصر، فما كان من قوات الأمن إلا أن حاصرته وأخرجته، لأنه يعبر عن رأيه ورأي حزبه اليساري التوجه (حزب التجمع المصري) الذي كان عضوًا مؤسسًا فيه.
تمكّن منه الزهايمر في آخر عمره، ولم يعد يستطيع التعايش والتواصل مع من حوله. تزوجت ابنتاه، ماجدة من طبيب كاثوليكي إيطالي الأصل، وتزوجت نادية من مصري مسلم، مما جعل بيته الذي كان يسميه أصدقاؤه (محطة مصر) ـ نظرًا لكثرة زواره ـ أكثر البيوت في العالم احتفالا بمناسبات دينية.
ومثلما كانت حياة هارون مثيرة للجدل كانت كذلك وفاته فقد رفضت عائلته عندما توفي في آذار سنة 2001 أن يصلي عليه السفير الإسرائيلي بالقاهرة، واستأجرت حاخامًا من فرنسا للصلاة عليه، حتى لا يحضر حاخام من إسرائيل التي ظلّ طوال حياته يهاجم وجودها ويرفضه.
وتحيّرت أسرته في نعيه الذي كان ينبغي أن يُنشر في الجريدة، لأنها لا تستطيع نشر آية من التوراة مثلما يفعل المسلمون مع القرآن والمسيحيون مع الإنجيل، فنشروا كلمة تلخِّص فلسفته في الحياة، كان قد أوردها في كتابه الوحيد (يهودي في القاهرة).. قال فيها:
(لكل إنسان أكثر من هوية، وأنا إنسان مصري حين يُضطهد المصريون.. أسود حين يُضطهد السود.. يهودي حين يُضطهد اليهود.. فلسطيني حين يُضطهد الفلسطينيون).
ـ كما قلت...رومانسيات...مجرّد رومانسيات.
* * *