كانت جزيرة,
جميلة,ناعمة,كلها حلى.
شطأنها تكاد تكون بملمس حبيبتي,وهضابها وسهولها شيء من أصل الأنوثة.
كانت ناعمة تنبض عطرا,تغضب سريعا ولا تستسيغ البحر,ففي كل يوم يأتيها ممازحا مداعبا محاولا إيقاظها بأمواجه التي لا تواتي سيقانها.فتفيق غاضبة منزعجة.
كان البحر يحبها.
البحر ليس حلوا,ولا ناعما,ولا يعرف كيف يعبر عن حبه لجزيرته,فهو فوضوي,عشوائي,متقلب المزاج,إلا أنا أمواجه لا تقصد إلا جزيرته كيفما هب الهوى.
البحر عكس ما يقال عنه غفورٌ,وفي,مخلص لا يغدر,ذو قلب كبير وحب كبير.
يوماً بعد يوم,والبحر يزداد حبا,والجزيرة تزداد جمالا.
يحاول أن يحمل لها كل كنوزه,فيرمي تحت رجليها ما يملك من ذهب وفضة,والشمس تنظر إلى هذا الجبار مستغربة كيف يبذل ما بوسعه ليكسب رضا تلك الجزيرة الصغيرة.
ففي كل صبح,كان يحمل لها الريح,و يزركش كاحليها بأعشابه.وفي الظهر كان يطري شفاهها ويداعب خصرها,يقترب منها تارة,فتدفعه عنها وهي تعلم أنه سيعود,فلن تنام إلا بين ذراعيه.
وبين مد وجزر,ينبض القلب بالحب و الجفا.
تغفو الجزيرة ليطل القمر,و يتعلم من الأستاذ الكبير فن الهوى,والصبر وطول البال.
وفي يوم من الأيام,
استفز الشتاء و الجفا البحر,وكان الحب يغلي في جوفه حتى أنه لم يعرف كيف يموج,فشد ذراع الجزيرة إليه محاولا ضمها,هو الذي يلفها منذ أن كانت .
لكن الصغيرة الجميلة المغرورة, لم تقرأ عيونه ولم تفهم صدفاته,أفاقت غاضبة,رفعت تنورتها بيدها كي لا يمسها البحر, ومشت من فوقه إلى الأرض.
راح البحر يناديها,يعتذر,ويلطم نفسه ويصرخ أحبك.
زاد غرور الجزيرة,وأصرت على موقفها,ومشت.......ومشت.........ومشت............
عند المساء,وصلت الجزيرة إلى سهل هادىء رحيب,استضافها,وقبلت.
وكان قربها جبل وسيم قوي طويل القامة,وكان يرمقها ليل نهار.
كلا الاثنين كان مثلما تريد,لا يزعجها ولا يحرك ساكنا.فأغمضت عينها ونامت مطمئنة.
نامت الجميلة غير آبهة بذك الذي يسهر على راحتها طول الليل,ويشغل نفسه عما يقدمه لها كل صباح.
في تلك الليلة,بكى البحر كثيرا.
عند الصباح,وكالعادة,عبأ البحر جيوبه بالعقود والأساور,ولكن هذه المرة نظر إليها بأسى,بدلا أن يبسم للذي جمعه لحبيبته.كان قلبه مشغولا عليها,
وراح يصلي أن تكون بخير.
تأخرت الجميلة بالنوم,ولما أفاقت ظهرا,قالت لنفسها:
منذ متى وأنا لم أنم هكذا!؟
الله كم كان يضايقني ذلك المزعج الذي علي أن أهجره منذ زمن.
نظرت إلى السهل فكان كالبارحة,والجبل أيضا كان كالبارحة.والشمس الغيورة أبعدت عم دربها الغيوم وراحت تشطب وجه الصغيرة الجميلة,وتدخل الزمن أيضا لصالح الشمس,فراح يشد الجميلة من شعرها ويركض بها.
استغاثت الجميلة بالجبل,فلم يأتي إليها رغم أنه قوي,والسهل كان عاجزا أن يحميها.
صرخت بهما أنا الصغيرة الجميلة
فأسفا عليها
صرخت أنا الجزيرة الناعمة,
فاستغربا!
ومر النهار من فوقها,وكانت الشمس تنظر إليها وللبحر وهما يبكيان.
وقبل أن تغفو الجميلة,
لاحظت أني لا أقول عنها الجزيرة الجميلة .
لاحظت أنها صارت قطعة من أرض,على قطعة أرض.
وأن السهل والجبل و الجرد والوادي,ولا أحد منهم يضمها, حتى لو الجبل مد ظله إليها,لن يلفها مثلما البحر.
خجلت من نفسها.
إلا أن كبرياء الصغيرة ترك البحر وحيدا,وتركها تكبر مع الزمن.
فما عادت تلك الجزيرة الصغيرة التي تمتنع وتتمنع.بل صارت مزرعة تخرمشها الخيول وتركض على بطنها.
لاحظت أنها لن تحبل بالسياح وأنها بنظر الجميع لم تعد جزيرة.
من يومها والبحر يبكي ويبحث عن جزيرته,والصغيرة تخجل أن تعود إليه إذ أنها تعرف لم تعد جزيرة.
البارحة.......
صدفة.......
مررت بالبحر.
فرجاني ذاك المارد الكبير ان أكتب لها ,علها تفهم أنه ما زال ينتظرها , وأنه لا يحقد,ولا يزال على حبه , وحبه سيعيدها جزيرة لحظة ترتمي بين ذراعيه.
ولما لم يعرف عنوانها, فإني أقول:
إلى كل جزيرة........لا تهجري.
وإلى كل مزرعة جعدها الشمس,لك بحر بانتظارك يعيدك صبية جميلة ولو كنت بنت سبعين.
أنا البحر
وهنا أوقع
__________________ |