كان الشيخ يحب جزيرته كريتا حباً جنونياً. وقبل وفاته طلب من أولاده أن يضعوا في يده حفنة من ترابها. وعندما وصل بوابة الجنة، طلب منه مار بطرس أن يفتح يده ويرمي ما فيها. فاهتز كل كيان الشيخ وأبى. لن يتخلى عن تربة كريتا مهما كلف الأمر. حسناً! إذاً، إبق هنا عند البوابة! فليكن! سأبقى هنا. ومرت السنوات. ماتت زوجته ولقيته عند باب الجنة فتوسلت إليه أن يترك ما في يديه كي يدخل معها إلى الجنة ليكونا معاً للأبد. فلم تفلح. وبعد عمر طويل مرَّ به تباعاً أبناؤه الأربعة ورجوه أن يلحق بهم. عبثاً. لن يتخلى عن تراب كريتا. وأخيراً مر به أحد أحفاده الذي كان يحبه كثيراً. فتوسل إليه بأحلى الكلام: "تعال يا جدي، فالحياة في الجنة جميلة وستغنيك عن أرض كريتا" لانَ قلب العجوز. فأغمض عينيه وتوقف عن التفكير وفتح راحتيه وهو يتلوى وألقى حفنة التراب. وضع يده في يد حفيده ودخل الجنة. فماذا رأى أمامه عندما فتحت أبواب الجنة؟... جزيرة على اتساع جمالها... إلهنا إله المفاجآت. "ما لم تره عين ولم تسمع به أذن ولم يخطر على بال بشر".
وكأني بهذا الشيخ كل فلسطيني صامد، مهاجر أو مهجر، لاجيء أو نازح أو مشرد، يعيش في الوطن وخارج الوطن. منزرع في الأرض ومنتشر في جميع بقاع الأرض. متمسك بالمكان أو "خارج المكان"! يحمل حفنة تراب، يحمل مفتاح بيته، يحتفظ ب "كوشان" أرضه. ينتظر في المخيم، في مهاجر الشتات الفلسطيني، ينتظر ولا يمل الانتظار، وتمر سنة وسنوات ونصف قرن وما زال ينتظر إلى أن يتحول الحلم إلى حقيقة على أرض الواقع مهما طال الانتظار وكثرت الأسفار يزداد عناداً وإصراراً إلى أن يعود للديار. إلى "فردوسه المفقود". ويتحول المكان إلى حالة بالمفهوم المسيحي للسماء بأنها "حالة الفرح الدائم لرؤية وجه الله". إنها حالة من العشق والذوبان والانصهار.
__________________ اينما وجد الظلم في العالم
هناك موطني |