بقلم الدكتور جورج الحاج
[color=#0000FF][size=5] تمهيد: جَوُّ الحفلة العامّ ومُناسبتُها.
يوم 21 تمُّوز 1971 كان يومًا غير عاديّ في تاريخ الزجَل اللبنانيّ؛ فيه تعانقَت الشِّفارُ مع الشِّفار، وتلاحمَت السيوفُ مع السيوف، شفارُ الزجل وسيوفُ الارتجال، في لقاءِ جوقة زغلول الدامور مع جوقة خليل روكُز في باحةِ قلعة بيت مري الأثَريَّة بالمَتن. فمُعظمُ لبنان، يومَها، كان مشغولاً بهذا اللقاء، مُترقِّبًا ساعة الحَسم. يومَذاك، مشيتُ من المنصوريَّة إلى بيت مري لأنَّ الطريق العامّ أُقفلَ بسببِ صفّ السيَّارات الذي امتدَّ، بدون انقطاع، من أوَّل المنصوريَّة إلى مدخل القلعة. فمَن أرادَ الوصول إلى الحفلة، بعد الظهر، كان عليه أن يمشي. وأذكرُ أنـَّه، يومئذٍ، وصلَ ثمنُ البطاقة إلى 150 ليرة لبنانيَّة، إذْ بيعَت أمامي بطاقتان بقيمة 300 ليرة في السوق السوداء. حوالى أربعين ألف نسمة اجتمعوا في ساحة دير القلعة، وكان الواقفون أكثر من الجالسين.
جلسَ أعضاءُ لجنة التحكيم في الصدارة يترقَّبون بَدءَ الحفلة؛ وكان من بينهم أحمد مكِّي، سعيد عَقل، جورج جرداق وتوفيق الباشا. أمَّا الشعراء فكانوا قد وصلوا جميعًا إلاَّ الزغلول.
حين قاربت عقاربُ الساعة التاسعة ليلاً، الموعد المُقَرَّر لافتتاح الحفلة، نفدَ صبرُ الحاضرين، وتساءلوا بأصواتٍ عاليةٍ وضجَّةٍ متواصلةٍ عن سبب التأخير، وطلبوا أن تبدأ الحفلة حالاً. وما كان إلاَّ أن سمعنا شخصًا يُذيع عَبر مُكبِّر الصوت أنَّ جميع الشُعراء قد حضروا إلاَّ الزغلول. "إلاَّ الزغلول"؟ لماذا؟ وكيف؟ وأين هو الزغلول؟ هل هو مريض؟ هل حصلَ له حادث؟ ولكي يُزادَ الطينُ بلَّة، انتشرت إشاعةٌ بين الناس مفادُها أنَّ الحفلة يمكن أن تُلغى أو تؤجَّل. عندها عَلتِ الضجَّة، وهاجت الجماهير. وسرعانَ ما سمعنا صوتَ الرجل نفسه -ولعلَّهُ أحد المسؤولين عن تنظيم هذا المهرجان الكبير- يؤكِّدُ أنَّ الزغلول هو في طريقه إلى الحفلة، ويُوضِّحُ أنَّ سببَ التأخير عائدٌ إلى أنَّ شقيق الشاعر كان قد تُوَفِّيَ قبل الحفلة بليلةٍ واحدة، مُعلِنًا أنَّ الزغلول الآن، ولا شكَّ، في حالة حُزنٍ وأسًى عميقَين. فهذه فاجعةٌ كبيرةٌ، والشَاعر كان مع عائلته حتَّى الساعة، وقد تركَ حالما انتهى المأتم، وبعد أن رثى الزغلول أخاهُ بقصائدَ مُبكية. ورغم هذه الكارثة، فقد ودَّع الزغلول أخاهُ إلى مَثواهُ الأخير منذ ساعاتٍ قليلةٍ وهو في طريقه الآن ليكون معنا الليلة كما هو مُنتظر.
وقعَ علينا هذا الخبرُ وقوعَ القنبلة، فما نحن عرفنا هل سنفرحُ بوصولِ الزغلول أم سنحزنُ معه. وكيف يا تُرى، سيستطيعُ الزغلول المُشاركة في هذا التحدِّي الكبير المُنتظَر وهوَ لِتوِّه مفجوعٌ بأخيه. قُرابة الساعة العاشرة، عَلَتْ الهتافاتُ والابتهاجاتُ من ورائِنا مصدرُها مدخلُ القلعةِ الرئيسيّ. وسمعنا أصواتًا تُنادي: "وصلَ الزغلول، وصلَ الزغلول." ونظرنا، فإذا بالشَاعر يدخلُ محمولاً على أكتافِ الجماهير، مُرهَقًا، والحُزنُ بادٍ على مُحيَّاه، وكذلك الدهشةُ من هذا الاستقبال العفويِّ البهيج. وفِعلاً شقَّ طريقهُ إلى المِنبرِ مُتنقِّلاً على أَكُفِّ الناس والدَرَك. وعَلا التصفيق والهُتاف والدعاء له. فكان دُخولُه غيرُ العاديّ دخولَ الظافرين الفاتحين.
الحزنُ يُفجِّرُ منابعَ الشِعر مثل الفرَح. والتزامُ الشَاعر والفنَّان الأصيل قضايا مجتمعهِ وشعبهِ ووطنهِ يجبُ أن يبقى فوقَ الظروفِ الشخصيَّة والحوادث الفرديَّة. وتوزيعُ المُصيبة يساعدُ الشَاعرَ على إيجادِ المُشاركة الجماعيَّة، فيخرجُ بذلك من بوتقةِ الحُزنِ الخاصِّ إلى ساحة الحُزن الجماعيّ، ويشعرُ على الفورِ بعاطفة الجمهور ومُبادلته له حُبًّا بحبٍّ وإخلاصًا بإخلاص. فحزنُ الزغلول باتَ حُزنَنا جميعًا، وألمهُ ألَـمَنا.
ولِدقائقَ تَلتْ، خيَّم صمتٌ شاملٌ على المِنبر وعلى الحُضور. كانت تلك لحظة تأمُّل استعدادًا "لِبَدء الشَّوط" وافتتاح الحفلة بعد هذا السَّيل من العواطف الجيَّاشة التي استبدَّت بكلٍّ من الحاضرين والشُعراء على السواء. وفجأةً عَلا صوتُ الطبلة والدفِّ والكفِّ إيذانًا بأنَّ كلَّ شيءٍ يسيرُ على ما يُرام، وأنَّ الشُعراء جاهزون والحفلة قد افتُتِحتْ أخيرًا_ والحمدُ لله.
إفتتاحيَّة موسى زغَيب.1
تُعتَبرُ افتتاحيَّة موسى زغَيب من عُيونِ الشِعر الزجَليِّ. وهي تتألَّف من سبعين بيتًا مُوزَّعةً على سبعةِ مَقاطع، كلٌّ منها ينتهي بشطرٍ يُكملُ القافية المُتـَّبعة في ذلك المقطعِ نفسه.
واضحٌ أنَّ موسى هنا بذلَ جُهدًا فائقًا ليُقدِّم أرفعَ ما عندهُ من شعر، لأنـَّهُ يُريد، ولا شكَّ، أن يَبهرَ اللجنةَ التَحكيميَّة، وأن ينالَ تأييدَ الجمهور وإعجابـَه في آنٍ واحد. فموسى مُدرِكٌ تمامًا أنَّ شُهرة الزغلول أبعدُ مدًى من شُهرتِه، وأنَّ بين أعضاء اللجنة مَن لم يُشاهده يُغنِّي من قَبل. فيفتتحُ بـ"أنا إنتو"، أي أنا الشَاعر وأنتم الأنصار والمُستمعون واللجنة شخصٌ واحد، لا فرقَ بيننا. وهكذا أراد أن يردمَ الهوَّة القائمة بينهُ وبين مَن لم يسمعهُ من قَبل، ويوجِدَ بدَلاً عنها الوحدةَ والمُساواةَ والمُشاركة في الهدف. ولقد سمعتُ، بعدَ الحفلة، أحدَ أنصار موسى يُلمِّحُ إلى أنَّ الشَاعر "استعارَ" هاتَين الكلمتَين (أنا إنتو) من مَطلَعٍ لقصيدةٍ غنَّاها قبلَهُ خليل روكز. وأنا لا أستطيعُ أن أؤكِّد هذا القول أو أنفيَه. يقولُ موسى:
أنا إنتو، أنا لا تسألوني
لَشو طَلّ القَسا بعِقدة جفوني؟
يُقبلُ موسى إلى الحفلة "عاقدَ الحاجبين"، ثائرًا، ويعتنقُ مُنذ مَطلعهِ "القساوة" مُقابل "الليونة" التي يتَّهمُ بها الزغلول. ويُضيفُ أنـَّه "فطمَ جودَه"، لأنَّ الشُعراء نهلوا منه دون أن يشكروهُ أو يُقدِّروا عطاءَه. هو كَرْمٌ على درب، بيدرٌ مِعطاء يلجأُ إليه الشُعراء العصافير "ينقدون" عنه الشِعر "حبَّة حبَّة"، ويروحونَ يتباهونَ بأنفُسهم وبأشعارهم التي من عنده بذورها.
لهذا تراهُ يدخلُ والغضبُ ملءُ عينيه. فهو حتَّى الآن لم يُعطَ حقَّه كشاعرٍ كبيرٍ، وهو إنـَّما حضرَ الليلة ليُظهرَ أمامَ الجميع ما هو قادرٌ عليه حقًّا. فالليلُ، على طوله، أقصرُ من حلمِ المَجدِ الذي يُراودُ مُخيِّلة الشَاعر، وهو الذي أعطى الأُمَّ اليقَظةَ والقُدرةَ على السَهر أمام سريرِ طفلِها. فجاءتْ تضحيتُه في سبيل الشِعر أكبر من تضحية الأُمِّ في سبيلِ طفلها. يُخبرُنا موسى أنَّه، منذُ بداياته، أطلق فِكرَه كالنسر الجبَّار مُحلِّقًا في سماوات الشعر:
طلعتْ شكلْ بجوانح نسر أسمرْ
صاروا يرفعوني ويرفعوني
حتَّى صرت شوف الأرض أصغرْ
من اللي عالتحدِّي بيطلبوني
فإذا كان هو، لبُعدِه الشِعريِّ وسموِّ معانيه، كالماردِ لا يَرى الأقزامَ من الشُعراء، فكيفَ نطلبُ منه أن يَرى الزغلول الذي هو، على حدِّ قَصدِ موسى، أقلُّ منه شعرًا وأحطُّ منه مقامًا ورِفعة؟
فكلَّما طلبَه أحدُ هؤلاء الصغار، الذين ليسوا أهلاً "للمباراة الصحيحة"، ولا هُم من مستواه الشِعريّ، إلى مُباراةِ تَحَدٍّ، عَظُمَ غيظهُ وتأجَّج غضبه، فأصبح كحارسي الجحيم كافرًا حانقًا تُجَنُّ العواصفُ من جنون غضبه. الحقيقة أنَّه "لا الزمان ولا القدَر أجبراهُ على الكُفر"؛ هُم الشُعراء الصعاليك الذين جعلوه يكفرُ، لأنـَّهم أكلوا من بَيدرِه ورمَوا حجرًا في بئره، بعد أن ارتوَوا من معانيه، ولم يُعطوه حقَّهُ ولا هُم اعترفوا بفضلهِ وأسبقيَّتهِ عليهم.
فزغَيب لم يحضرْ إلى بيت مِري ليفخرَ بلقائهِ مع الزغلول. هذا لن يرفعَ من مُستواهُ ولن يُرضيَ طموحَه. ولكن لماذا جاء؟
وما جيت برفقة الزغلول إكبَرْ
عا أحلام القساوي والليونه
جايي بجوقتي توِّج المنبر
وخَلِّي بقلب هاللجنة الكريمة
البَعد ما بيعرفوني يعرفوني.
ويُتابع موسى:
كان الشِعر الزجليُّ في مرحلة نسيان، ميناءً مُظلمًا وذهبًا مغمورًا. فما كان من ميشال سماحة (مُنظِّم هذه الحفلة)، إلاَّ أن بعثَه من رُقاده وأضاءَ سبيلَه. لم يكن هدفُ ميشال الكسبَ المادِّيَّ والتجارة، إنـَّما هو أراد هذه الحفلة لقاءً للأحبَّة وعناقًا بين الشَاعر وأنصاره.2 وهنا يُخاطبُ موسى الزغلول وفرقتَه مُباشرةً، فينعتُهم بالجُبن، ويتَّهمهُم بأنـَّهم كانوا دائمًا يتهرَّبون من مقابلته ومُجابهته كأنـَّه المرض والعدوى، وكأنَّ كأسَه مليءٌ بالمرارةِ التي هم أضعفُ من أن يحملوا وِزرَها ويُشاركوا في مُعاناتها. هؤلاءِ جاؤوا اليوم، لسوء حظِّهم، ليتأكَّدوا بأنفُسهم أنَّ الشِعرَ حلمٌ أبيض هم أعجزُ من الوصولِ إليه لأنـَّه حلمُ العذارى وجائزةُ الأبطال.
وهنا يُوجِّه موسى كلامهُ إلى الزغلول مُباشرة، لأوَّل مرَّة في افتتاحيَّته، مُذكِّرًا إيـَّاهُ بلحظة الموت التي عانى منها الزغلول أمس، لِيُثبِتَ له ولنا أنَّ هذه الكأس قد مرَّت عليه من قَبل فذاقَها وعرفَ مرارتَها:
يا زغلول لو الموت امتحنَّا
ضروري نقابل الموت بجساره
أنا علييِّ الفَنا قبلك تجنَّى
وخطَف لي إبن زنبقة الطهاره
طريق الشاعر جروح وأسنَّة
عا تمُّو الضحك وبقلبو المراره
إنَّ المُعاناة وحدها تُلهِبُ العبقريَّة وتُفجِّرُ العطاء. وفعلاً، كان لا بُدَّ من أن يعترفَ موسى بالظرف الدقيق المؤلم الذي يُعاني منه الزغلول.
وما دمنا في الكلام على الجراح والمآسي، يُضيفُ موسى، فلا ضيرَ إن نحنُ تذكَّرنا مأساة فلسطين وقَتْلَ الأطفال والشيوخ. فيذكر أن شِعره طالما تغنَّى بملاحم الأمجاد الفلسطينيَّة وكشفَ "الأقنعة المستعارة" عن وجوه السياسيِّين المُزيَّفين. وها هو الآن يوجِّه باسم الزجل، ومن على هذا المنبر نفسه، كلمةً إلى رئيس الجمهوريَّة والحكومة طالبًا منهم تعييَن شُعراء الزجل سُفراء إلى جاليتنا في المَهجر. فالشَاعرُ الزجليّ وحدهُ يُثيرُ في قلوب المغتربين الحنينَ للرجوع إلى الوطن الأُمّ، وهذا ما لا تستطيع سفارةٌ بكاملها التوصُّلَ إليه.
وفي المقطع الثالث يُعطينا موسى، ضمن إطار الوزن والقافية، لمحةً سريعة عن تاريخ الزجل اللبنانيّ، فتراهُ ينظمُ تاريخه شِعرًا كما نظمَ ابنُ مالك في "ألفيَّته" قواعدَ اللُغة في قالبٍ شعريِّ من قبل. يُشيدُ موسى بمجد الزجَل، ويفتخرُ بأنـَّه فرضَ نفسه في كلِّ موقفٍ ومُناسبة عبرَ تاريخه الطويل. فمن داخلِ صومعةِ الرهبان النائية، انطلق الزجَلُ ليُظهرَ للعالم قِيَمهُ وقيمتَه. وفي سردٍ بديعٍ يُذكِّرُ موسى ببعض الأسماء اللامعة وبفضل أصحابها الذين أوصلوا الزجل إلى ما هو عليه اليوم من شأنٍ ومكانة؛ منهم ناصيف اليازجيّ، صاحب "مَجمع البحرين"، الذي كان مُتضلِّعًا من العامِّـيَّة والفُصحى ورشيد نخلة الذي نظم النشيد الوطنيّ اللبنانيّ ونال لقب "أمير الشُعراء"، وكان كثيرًا ما "يستشهد" بالزجَل.
ثمَّ ينتقلُ إلى الجيل الجديد من الشُعراء المُعاصرين فيبدأ بطليعة التجديد، الشَاعر أسعد الخوري الفغالي المعروف بـ"شحرور الوادي"، الذي أخذ الشِعر عن والده، وأسَّس أوَّلَ جوقة زجليَّة للشِعر الارتجاليّ عام 1927. 3 ومع الشحرور "تنظَّمتْ الحفلات في مواعيد وبطاقات وأسلوب في الغناء، وقُسِّمت الحفلة المِنبريَّة على الشكل التالي: قصيدة، معنَّى، قرّادي، موشَّح غزليّ... وتنتهي بالقصيد".4 فالشحرور، كما نرى، صاحبُ فضلٍ كبير على تطوير القصيدة الحديثة، وله الأسبقيَّة أيضًا في وَضع قوانين حفلة الزجَل على المِنبر. ويُذكِّر موسى بأنَّ الشحرور هو أوَّل من ألَّفَ الجوقة الزجليَّة بمفهومها الحديث المُتعارَف عليه الآن.5 ويُشيرُ إلى زيارة الشحرور لبعض الدوَل العربيَّة، وبالتخصيص مصر، حيث دعاهُ الملك فاروق بنفسه إلى سهرةِ شِعر. ويُروَى أنَّ فاروق لم يكن يُصدِّق أنَّ الارتجال ُممكن بهذا الزخم وهذه النوعيَّة. في مصر تعرَّف الشحرور إلى كبار شُعراء ذلك العصر وأُدبائه مثل خليل مطران وأحمد شوقي وطه حسين وغيرهم. ويُشيرُ موسى إلى أنَّ الملك فاروق نفسَه سهر تلك الليلة حتَّى الصباح مع الشحرور وفرقته. ويُقال إنَّ الملك انتقى بنفسه الموضوعات التي أراد الشُعراء أن يتغنَّوا بها ارتجالاً. ويزهو موسى بذلك:
وعا إيّامو إجا الشحرور أسعدْ
جناحو من سما "بدادون" طاروا
وعينين الملك فاروق جمَّدْ
على كَرّة قصيدو وابتكارو
وطريق الشِعر للجوقات عبَّد
لحتَّى الكلّ يقتِفيوا أثارو.
ومن الشحرور ينتقل موسى مُباشرةً إلى خليل روكز الذي أعطى جوقة موسى اسمَه. طبعًا لا يأتي موسى على ذكر الزغلول هنا. فالزغلول خصمُه الليلة، وَهَمُّ موسى بل واجبُه، في لقاء التحدِّي، الحَطُّ من شأن خصمه لا إظهار محاسنه. ولكن يُدركُ العارفون والدارسون والأنصار أنَّ موسى تَناسى أنَّ الزغلول عاصَر خليلاً، وأنَّ روكز نفسه انضمَّ إلى جوقة الزغلول ورافقَه وغنَّى تحت رايته، وأنـَّه بعد الشحرور كان للزغلول الفضل الأكبر في قَونَنة وتعميم برنامج سهرة الزجل وتأليف الجوقة الزجليَّة الرُباعيَّة وتطعيمها بعناصر شِعريَّة تجمع مختلف طوائف لبنان ومناطقه.
يقول موسى إنَّ خليل روكز صَعدَ المنبر كالمارد، كالسيفِ الملتهبةِ شفارُه، فأعطى الكثيرَ من روحهِ للزجَل. هو غنـَّاه، ارتجلهُ، طعَّمهُ، طوَّرهُ وجدَّدَ معانيه وقوافيه بثقةٍ بالِغة. ويُضيفُ موسى أنَّ روكز كان أوَّل مَن افتتحَ حفلاتِ التحدِّي ودعا إليها بقلبٍ ثابتٍ وهمَّةٍ أكيدة، وأنَّ النصرَ كان دائمًا حليفَه. فمن لا يُصدِّق، فليسأل مَن تباروا مع روكز آنذاك، وذاقوا مرارة المُجابهة. وهذا طبعًا غَمزٌ من قناة الزغلول الذي غنَّى مع روكز مرارًا. رحلَ روكز وبقيَ اسمُه، وبقي جوقُه، "الجوق الخليليّ" الذي يرأسُه موسى الآن، حُصنًا صامدًا أشبه بقلعة صور المنيعة حين حاصرها الإسكندر المقدونيّ، فصمدَت حتَّى النهاية:
وبقي الجوق الخليلي حصن أصمدْ
من الحُصن الكِعي اسكندر حِصارو
بقفلة حاجبو في ليل أسودْ
عا ها العميان ما بيطلع نهارو.
وإذا موسى، وهو على رأس جوقه المارد الجبَّار المشحونة عيناه بالغضب، يلتفتُ إلى الزغلول مُجدَّدًا، فينصحهُ بالهرب لتلافي الهزيمة والنكسة الثالثة، إذ يدَّعي زغَيب بأنـَّه سجَّل انتصارَين سابقَين في لقائه مع الزغلول في "المدينة الرياضيَّة" وفي "المشرِف" من قبل. واليوم في لقاء بيت مِري سيكون انتصارُه الثالث ثابتًا ومُثَـبِّـتًا لفوزه على "الهاشميّ"، سيكون سيفَ الفَصل على مفصله. فبعد أن "أبكاه" موسى في عقر داره، تراهُ يُنذِرُه بأنَّ الهربَ أشرفُ من الانكسار الثالث، لأنَّ بيرق انتصار موسى الأكيد سيلوح في نهاية هذه الحفلة، على حدِّ قول زغَيب.
المقطع الرابع مُوجَّه إلى الزغلول مُباشرة. فبعدَ أن جالَ زغَيب في ميادينَ وموضوعاتٍ مُختلفة، ليُظهرَ براعتَه وسِعةَ اطِّلاعه وتضلُّعه من تاريخ الزجَل عامَّة، يتوجَّه إلى الزغلول فيقول إنَّ ديرَ القلعة الرومانيَّة الطاعنة في القِدَم يشهد حتمًا على "سطوة جوق بو الخلّ الرُباعيّ". ويعيبُ موسى على الزغلول ما يُمكن أن يكون قد قاله في مُقابلةٍ إذاعيَّة عن الحفلة وعن لقائه المُنتظر معه:
يا زغلول ما بيسوى التجنِّي
الظهر منَّك على البثِّ الإذاعي
عشت حدِّي عواصف مستكنـِّي
وبإيدي كنت أطوع من يراعي
لكن من بعد ما بعِدْتْ عنِّي
استَحَى من لسانك لسان الأفاعي.6
ويُضيفُ موسى أنَّ النصرَ الليلة حليفُه. فإذا كان هدفُ الزغلول امتحانَه، فالنتيجة معروفة سلفًا، لأنَّ أقواس النصرِ تتهاوى وتتشكَّل بين يَدَيْ موسى إذا ما لوَّح بيمينهِ أو يُسراه. فضلاً عن أنـَّهُ مديدُ الخبرةِ في مجالِ الشِعر؛ فقد عجنهُ الدهرُ وخبزتهُ الأيـَّام في مُعترك الارتجال، فصارَ مُتقدِّمًا على الزمان، الذي من امتداد باعِ موسى وطولِ نفسه، استلهمَ مداه واستمراريَّته. ويسأل موسى الزغلول:
وشو بدَّك تغنِّي تا تغنِّي
أنا بحرْ، وأنت صَدْفة بقاعي
وصرت عايِشْ عا هاجس رعْبْ منِّي
طَيفي بيرعبك لو كنت نايمْ
وإسمي بيرعبك لو كنت واعي.
وفي المقطع الخامس يستمرُّ الهجومُ "الزغَيـبيّ" التصاعديّ وموسى كالنسر الكاسر لا يكنُّ ولا يرحم، تتوالى ضرباتُه من كلِّ الجهات. يُخاطبُ الزغلول قائلاً: إنـَّه نظر إليه فتوضَّحت له معالمُ الكآبة والخوف المرسومة على جبهتِه. ويكادُ بطشُ الشباب يُطيحُ بشيبة "الشيخ" المهزوم. فموسى أصغر سنًّا من الزغلول، وتراهُ هنا قد استغلَّ عاملَ الزمن ليعتزَّ بشبابه، فإذا به "يُشفقُ" على "شيبة" مُنافسه وعجزه. فالزغلول، برأي موسى، "عجوز"، ورفاقه "كالحِملان" العاجزة عن حماية أنفسها. لذلك تراهُ ينصحُ الزغلول بأن يُخبئ خرافهُ داخل القلعة تفاديًا للهجوم الصاعق الذي سيشنُّه موسى ورفاقُه، كالذئاب الضارية تلتهمُ النعاجَ وتُفسِّخ جلدَها واحدًا واحدًا.
وإذا كان الزغلول مُصِرًّا على المُجابهة، فيخبرهُ موسى أنَّ هناك شروطًا وأُصولاً مُعيَّنة، إذا راعاها الزغلول فيُمكن أن تساعده على النجاةِ من هذا الموت المُحتَّم. كآلهة الميثولوجيا، يُرسلُ موسى الزغلول في رحلةٍ أُسطوريَّة، فإن تمكَّن الزغلول من إتمام ما طُلبَ إليه، فيُمكنه الخلاص. ولكنَّ كلَّ هذا لن يضمنَ له النصر. فإذا أرادَ الزغلول أن يضعَ جوقتَه في وجه العاصفة، فيقال إنـَّه تبارى مع الجوق الذي لا ينهزم، فعليه، أوَّلاً، أن يُصبح ناسكًا، فيتطهَّر من الذنوب والخطايا؛ عليه أن "يلتجئ لعَذرا العذارى" وأن يُطهِّر نفسَهُ من أدران المادَّة، أن يتعبَّد ويسموَ بالروح فيتمرّد على "الطين الترابيّ." وكأنَّ موسى يُريده أن يُصبحَ في مَصافِّ القدِّيسين والنُسَّاك. ثمَّ على الزغلول أن يقتديَ ببروميثيوس فيسرقَ النار من "البركان". وكالبطل الأُسطوريّ، عليه أن يقترضَ "الصلابة" من الصوَّان، ومن الأسدِ واللبوة يستعيرَ "الجسارة" والصمود، ويشحَذَ "الإهابة" والجلالة من السلطان، ثمَّ من الخيَّال عليه أن يتعلَّم "المهارة" والرشاقة والسرعة. وهكذا، بعد أن يقودَه موسى إلى كلِّ هذه المُستحيلات، يعودُ فيقول له، لو افترضنا أنـَّك أنجزتَ كلَّ هذه الخوارق، وحاولتَ بعدَها أن تهجمَ على القلعة التي استمدَّت صمودَها من صمودي، أو لو أنت "سرجتَ الدهر" لتشنَّ "غارة" عليَّ، سيبقى الدهرُ دون شموخي "وأوطى من رِكابي". فلماذا إذًا تُحاول؟ لماذا لا ترضى بكونك مُطرِبًا جوَّالاً يعتاش من صوتهِ الجميل ومن كلماتٍ يستعيرها من شعرنا نحن؟ أنت، يا زغلول، "مُطرِب"، ورفاقُك شُركاؤك في "التجارة". عملُك الغناء والعزف، وعملُهم "كالكورس" يُعيدون بعدك. ولا غَروَ فأنت مُعجَبٌ بصوتك. منك "الأوف" وتوفيق الباشا -مُلحِّن مشهور وأحد أعضاء لجنة التحكيم- هو الملحِّن، ومن عندنا الشِعر والمعنى.
وكأنـِّي بموسى يُريدُ أن يؤكِّدَ أنَّ الصوت وحدَه لا يضمنُ شهرةَ شاعر الزجل. فالمجدُ للمعنى والصياغة، لا لخامة الصوت المخمليَّة فقط. وهو كغيره من الشُعراء الذين يُعانون من هذا العجز الواضح حين يغنُّون مع الزغلول مقارنة بصوته البديع وحنجرته الفريدة.
ويعودُ موسى إلى رمز "البحر" الهدَّار الوسيع. ويذكر أنَّ الشُعراء في هذه الليلة يقفون تحت مجهر النقد الصارم الذي سيُعطي كلَّ ذي حقٍّ حقَّه. وكأنـِّي به يذكِّرُ الزغلول بموقف طارق بن زياد يوم فتح الأندلس، آنَ خطبَ طارق في رجاله قبل بدءِ المعركة المصيريَّة. يقول موسى للزغلول: أنا البحر من أمامك واللجنة المؤلَّفة من "ملوك" الشِعر العامِّيّ والفصيح وأسياد النقد من ورائك، فأين المفرّ؟
استحي من البحر يا نبعة شحيحة
ولا تثلِّثْ فضيحة عا فضيحة
العَين مفتَّحة علينا بعنايي
بملوك العامِّـيَّة والفصيحة
أنت بالشِعر مِشْ من مستوايي
ولا خَرْج المباراة الصحيحة.
يَعيبُ موسى على الزغلول غناءَه على شاشة التليفزيون من باب الدعاية وترويج البضائع المحلِّـيَّة مثل "نينكس" وأحذية "باتا" وصابون "كامي". فهذه الشركات الكبيرة كانت قد عقدَت اتِّفاقًا مع الزغلول، نظرًا لشعبيَّته وشهرته، كي يمدحَ منتوجاتها فيتنبَّه إليها الناس ويشتروها. وهذا يُذكِّرنا بما كان للشِعر من قيمة واحترام عبر تاريخ العرب. ألم يطلب "أبو البنات" من الأعشى أن يمدحَ بناتِه فيتزوَّجن بعد أن كُنَّ على وشك أن يُصبحن عانسات؟
هنا يستدركُ موسى فيُذكِّر الزغلول بأنـَّه لن يُلامَ إذا ما أنزل بهِ الهزيمة الثالثة اليوم. فهو قد نصحهُ بالهرب ونبَّهه إلى ضرورة الانسحاب مرارًا، فكيف إذن سيجرؤ الزغلول بعد ذلك على مقابلة شاعرٍ قصائدهُ كالرماح، وكلماتُه كالسيوف، وطموحهُ كوَثبة النَّمِر، وفي عينيه غضبُ اللبوة الجريحة الهائجة؟
في المقطع الأخير من الافتتاحيَّة يفخر موسى بنفسه وبجوقه الذي لا ينهزم. يُخاطب خليل روكز يُطمئنه إلى أنَّ النصرَ لهم، ولا شكَّ، لأنـَّهم ملوكُ مملكة الشِعر وفُرسانُ قلعة النبوغ، ولأنَّ التاج الذي يلبسونه لن يفارقهم:
وهلَّق يا أبو روكز الغالي
على التطمين ببعتلك رسالي
لا تفزعْ تا يروح التاج منَّا
بطانة تاجنا نجوم الليالي
ومتل ما حكيت لمـَّا غبت عنـَّا
سهرنا تا وصلنا للأعالي.
ومرَّة ثانية يُطمئن موسى خليل روكز كي يستريح ويهنأ البال في وادي الفردوس. فأحلام البطولة قد حقَّـقوها ونالوا من الشُهرة ما لَم ينله غيرهم على الإطلاق.
آخر تعديل بواسطة راجح ، 08-01-2008 الساعة 09:32 PM.
|