قرد أم آدم ... ؟ .... Arnold | | في البحث عن الوالد الأول ... كانت تجمعات الديناصورات الجبارة التي سيطرت على الأرض لزمن طويل ، تدوس تحت أقدامها الضخمة الوحوش الصغيرة التي كانت تقدم الحليب لأطفالها ، لكن سرعان ما حانت ساعة هذه الحيوانات المخيفة .
فهل حدث ذلك نتيجة لتغيرات المناخ أم لأسباب أخرى ؟
على كل حال ، و أيا كان السبب فقد انقرضت الديناصورات ، و على مسرح التطور جاءت تلك الثدييات ( المسكينة ) نفسها ، و على هامش هؤلاء الأسياد الجدد ، و من أكثر أنواعها ضعفا ، ظهر الإنسان بينها كقائد دون أن تكون له أنياب و مخالب حادة ، أو حوافر و جلد غليظ ، أو أقدام سريعة تساعده على الجري .
إلى أين يوصل الضعف ؟
إن هذا الأمر واضح جلي . فالضعف يوصل إلى الهضاب القاحلة و إلى أماكن الطعام الهزيل ، حيث لا توجد وحوش ضخمة ، و حيث مقدمات الحياة تفرض المراوغة المثمرة ، و أكل أي شيء ، و الحفر بحثا عن جذور أي شيء صالح للأكل ، و التهام القوارض و الحشرات الصغيرة . مثـّل هذا كله وقعا ماديا هيأ لظهور الإنسان العاقل . فقد أدت ظروف الحياة القاسية إلى تطور سلسلة من النهايات ، إذ إن المخالب غير المفيدة تحولت إلى أقدام لكي يشاهد العدو من بعيد ، و أصبحت تقف على الأرجل الخلفية ، و تجمعت ضمن تجمعات صغيرة ، ما استدعى اكتمال نمو الدماغ لديها .
بهذا الشكل فإن النوع الضعيف و المحكوم عليه بالهلاك استطاع المحافظة على وجوده ، و تجرأ أيضا على مواجهة بقية حيوانات عالمه بفعالية و اقتدار. و بدأت تظهر تحت تأثير التغيرات المستمرة التي طرأت على مناخ الأرض و على ظروف المعيشة أنواع جديدة منه هي الإنسان العملاق ( دارتا ) و الإنسان الأسترالي و غيرها . و كانت هذه الأنواع تتميز فيما بينها كما يتميز الذئب عن الثور . لكن و نتيجة للاصطفاء الطبيعي استطاع نوع واحد المحافظة على بقائه هو الإنسان العاقل ( هوموسابينز ) .
السؤال المطروح الآن هو كيف ظهر إنسان هوموسابينز ؟
من المفترض أن يكون الإنسان العاقل قد جاء نتيجة للتطور الحاصل على أحد أسلافه ، غير أن البراهين على هذه الفرضية غير كافية ، إذ أنه ، من خلال البحث عن بقايا هذا السلف ، تغيب أهم حلقة حاسمة تربط بين الإنسان العاقل و سلفه البعيد ..
يبحث علماء المستحاثات ، منذ أمد طويل ، عن ( الحلقة المفقودة ) .. التي بذلت من أجل التوصل إليها جهود كبيرة ، لكنها لم تكن مجدية . و بذلك انتـُقد تشارلز داروين صاحب نظرية التطور ...
لقد سمحت دراسة الاختلافات في بنية شيفرة الجينات ( DNK ) للبشر من مختلف أصقاع الأرض بالتوصل إلى نتيجة مفادها أن البشرية انبثقت من بيضة أنثوية واحدة ، أي أن الإنسان العاقل الحالي يقود بني جنسه انطلاقا من العوامل الوحيدة التي كانت تعيش قبل نحو 350 ألف سنة . هذا الخبر الذي نشرته في عام 1983 مجلة ( أخبار العلم ) الأمريكية أحدث صدمة مدوية . ليس هنالك مجال للخطأ ! لقد درس علماء الجينات من جامعة بيركلي عينات كثيرة من الصبغيات ( DNK ( للإنسان القديم ( ميتوهوندر )، و تبين أن كل جزء من هذا الصبغي يحتوي 35 مورثة تقوم بنقل الذرية من الأم فقط دون تأثير المادة الجينية الأبوية . إن التغيرات في مثل هذه الصبغيات ممكنة فقط تحت تأثير عملية التغيار الإحيائي . استنادا إلى ذلك تم تأكيد الفرضية التي مفادها أنه قبل نحو 350 ألف سنة حدثت قفزة حاسمة في سلم التطور ، تسارعت بموجبها عدة مرات الصفات البشرية للإنسان .
لكن من وراء عملية التغيار الإحيائي . يمكن هنا ذكر كثير من الأسباب – الإله ، تدخل وافدين من الفضاء ، النشاط الإشعاعي و غيرها – لكن أن يكون ذلك قد تم مصادفة فإنه أمر مستحيل . حتى المادي فريديك إنجلز ، ( أحد مؤسسي الماركسية ) ، كان قد أكد أن ( الطبيعة أوجدت الإنسان الذي تعرف على نفسه ) ، أي أن إنجلز اعترف بأن الإنسان لم يظهر مصادفة ، و إنما تبعا لفعل موجه عموما ، لكن متى كانت الطبيعة تعقل ؟
إن الذين يؤمنون بوجود الإله مقتنعون بأنه خلق الإنسان على شاكلته ، و البعض الآخر يرى الإنسان جاء من القرود ، و كل طرف له الحق في تصور والده على طريقته . |