May 14, 2008 01:21:11 PM -نسخة للطباعة |(645) مشاهدة
لم يكن يوما بنيتي أو رغبتي أن أختار موضوعي هذا في مثل هذا التوقيت ... لقد رغبت مرارا أن أصور ذلك المنبع الدافق خيرَ تصوير وأن ارسم ملامح صوره وحكاياته خير تصوير .. إنه ذلك الراوي الدائم والذكاء الحاضر ..... لكل قصة نطلبها وكل رواية
نسأل عنها....عطاء دائم.. ... ما بخل علينا يوما برواية أو حدث.. أو حكاية عن أجدادنا ومشتانا وبيوتنا ونسمات ضيعتنا... إذ كان منذ نعومة أظفاره شعلة متقدة الذكاء ومبعث فخر لكل من حوله ومن هنا ليس عبثا قول المرحوم الخوري جبرائيل عيد الذي كان يردده باستمرار : اذا الحظ تعثر امام اولادي ولم يحالفهم في تعلم القراءة والكتابة , يكفيني فخرا أن أرفع رأسي عاليا بفياض وبأخيه ميخائيل ..
فياض عيد "أبو الياس " ذلك المجلد العظيم الذي اكتنزت سطوره بمفردات الحياة وحكمها وغلبت على جلساته الحكمة والمبادئ والعنفوان ..
زرته في المستشفى فطلب منى أن أجلس بقربه.. نفذت طلبه ليس وقوفا عند رغبته فقط بل لاشتياقي الشديد لكلماته.. أبدى تعطشا للكلام والعطاء.. خاف الرحيل حاملا معه الى المحهول قصصه وحكمه.. تصور يا بني : قرعت باب المقبرة ولم يفتحوا .. رفض عزرائيل أن يقبض على روحي..
سألته ما هو شعورك يا أبو الياس قدم هنا وقدم هناك ؟؟ فأجاب : مهما بلغت التعاسة والفقر والعوز عند الإنسان فحب الحياة أقوى من كل شيء ..
وتابع .. الموت أصعب وأرهب حدث في الحياة .. حتى العظماء خافوا من الموت وأخص منهم السيد المسيح فقبل أن يموت على الصليب بكى .. وطلب من أبيه أن يبعد عنه هذه الكأس..
سألته عما إذا كان يؤمن بالآخرة فأجابني والابتسامة تعلو وجهه : عن أيةُِ آخرة تتحدث ؟؟ كلام دون معنى... وفي الحال قال لي بأن جميل الصباغ ومطانيوس القاموع والواعظ سليمان التقوا ذات يوم بشخص من المشتى و سائلوه عن عدم تردده على الكنيسة ورغبوه بالآخرة فقال لهم : الآخرة ثمنها ثلاث ليرات وكونكم أولاد قريتي سأبيعها لكم بليرتين و نصف ..
لكن يا دكتور المؤمنون في الأرض مرتاحين .. لا ينشغلون بأمور الدنيا , لقد حاولت مرارا يا بني أن التزم بالإيمان ولكن عبثا وأختتم حديثه بعبارة طوبى للذين امنوا ولم يرو..
لقد عمل بكد طوال حياته وغرس المبادئ والأخلاق في نفوس أولاده الأطباء والمهندسين , فنشؤوا صورةً عن والدهم ,, تفوقٌ في الأداء وازدراء للمظاهر والمال ..
إنسان عظيم مثلك يا أبو الياس لن يخاف المرض.. لقد كافحت طويلا وعلمتنا دائما وأبدا أن الحياة جميلة بالكفاح , عظيمة بالإبداع والصبر .
سلام عليك أبو الياس .. لن يتغير بالمرض مقامك ولن تتبعثر حكاياتك فأذاننا منتظرة..
سلام ليديك اللتين عجنتا التراب ...
سلام لفكرك الذي أغنى مشتانا بكل ما هو قيم و ثمين .....
يا من أصغت لك الأذان وفرحت بك القلوب..
الأذن تكذب والعين تكذب لكن أيادي أبو الياس لن تكذب فلقد بنت بيوتا وأنشأت رجالا ... قم واحمل إلينا ترانيم الملائكة وأغنيات العذارى.. فنحن بانتظارك وبأمس الحاجة إليك..