March 24, 2008 11:57:46 AM -نسخة للطباعة |(245) مشاهدة
وكأنها صبية في زمن الوهج الذي يأسر القلب البرئ من اسرار الحياة. تطل على ذاكرة تراكم عليها زمن مرهق من تجارب لا تخص إلا ظله الحزين. وكأنها حكاية كانت تترنم بها على مسامع أذانه في ليلة مساء باردة، أمه. لماذا ؟ لم يكن يدري، ولا يستطيع إلى أي لحظة مارقة او مستقرة ان يسأل.
فالكل أين ما حلوا سفراً او هجرة او هرباً او بحثاً عن لقمة أخرى، مغطسة بحظ كبير أو اصغر، لا يهم، كلهم ينظرون إليها على انها الوردة التي لا تذبل، والربيع الذي يتمدد بدون مقاومة، بدون مزاحمة من فصل سابق أو لا حق. إنها الحكاية التي لا يتحدث عنها الكثير، لكنها في كل حرف وكل كلمة، تورق بنبض الحياة والحب والأمل والذكرى. فهم يذكرونها بدون ذكرى، وهم يتحدثون عن حكاياتها بدون فرش بساطها. لإنها كانت ومازالت تعيش معهم في كل لحظة وأي مكان. أنها عناق دائم لشريان احمر او ازرق، وشبكة متراصة من المشاعر الخالدة، وهي الأم والأبن والحب الكبير والصغير. وهي النسيم الذي يحتاجه الإنسان ليحي وجوده.
إنها انت ياصبية الدهر الغريب والعجيب، إنها المشتى!
إنها الأرض ذات النسيم المميز، والبرد القاسي، والصيف الأحلى، وجنة الله على الأرض بدون منازع.
إنها تلك الكلمات الممتلئة عزة وطيبة وكرامة، إنها الكرم \"الكريم\" والمقتصد\" للنوادر، وهي تكنولوجيا ثقافية علمت التواصل بلهجة ولغة وسلوك واداء مازلنا نعتز بممارسته.
إنها اجيال مميزة، وإحساس اعمق من الوجود.
إنها مشتى الحلو، بلدة الشعراء والكتاب والعقول المنفتحة نحو الحياة بدون قيود أو عقد أو تراكمات لا معنى لها.
إنها ابتسامة الأمان لكل مشتاوي مسافر حول العالم، إنها حكاية المحبة بناها اجدادنا جيلاً بعد جيل، وحكاية التعاضد والإنفتاح الإنساني بشكل غير مقارن.
إنها الإبداع في العمق، بعمر شجرة الدلب العتيقة، ونهر الغبيط الذي لا يهرم، والطاحون التي مازالت في الذاكرة، والصخور الزرق التي دفنها الأسفلت السياحي، بحكايات لم تكتب بعد.
إنها ضوء القمر في جلسة إجيال تعاقبوا ولم ينسوا في تبعثرهم هجرة دائمة.
إنها الإشتياق لحب خالد لا يعرف من التاريخ إلا حاضره، لإنها ماض بحاضر ومستمر.
يامشتى كنت الصبية التي يشتاق إليها كل مراهق وكبير وهرم. ومازلت الحكاية التي يعشقها كل من عانق ارضك الطيبة.
أنت الحب الذي اسمه الأول، وسيبقى دائماً في كل قلب مشتاوي بالمطلق.
احبك يامشتى، مهما غفى الزمن فراقاً جغرافياً، فأوراق الدلب تغني على سفوح جبال كندا الشاسعة، وشجر البلوط والجور والتين والتفاح يرسلون النسيم قريباً من شرفة في العقل متجسدة بأكثر من ذاكرة حية.
ورائحة الربيع تفوح من ثنايا القلب رعشة بلقاء الحب الأول والأخير في عينيك.
وبياض الثلج الذي يحاصر منزلي لأشهر عدة في شتاء مونتريالي قارص، يذكر كل يوم في براءة الحياة في ثقافة متجذرة وتراث اقوى من كل عواصف المادة والأسمنت المحاصر لنسيمك الأصيل.
إنها المشتى، كانت ومازالت لحناً يغني في ديارنا إينما كنا...