|
 |
الفشل... بقلم أريج ديب- موقع مشتاوي

الفشل...
ظروف .. حظ .. أم عجز مكتسب ؟؟؟؟؟؟
لم يكن دافعي الوحيد لأبحث في موضوع هذه المقالة ( ظاهرة اجتماعية )لا تحتاج أن تحدق في المجتمع طويلا ًحتى تراها عميقةً متفشية , لم أستطع أن أعطيها اسما موحداً , فالسمات مختلفة بين حالة وأخرى , إنها البطالة , الفشل ,العجز , الاستسلام أو الخمول ...
ولكنها جميعاً حلقاتٌ لسلسلةٍ واحدة تقيّد أبواب النجاح ...
كانت حالةً تعرضت لها هي دافعي الأعمق , وأنا لست الوحيدة في هذا الجيل التي تواجه الصعوبات والمعضلات وخاصة في بداية الحياة العملية , ولكن مشاكل الوجود بدأت تهيمن على نفسي الطريّة , وتقودها باستسلام فعلي إلى طريق فارغة , ووجدتني أقف أمام ذاتي أراها بليدةً , قليلة الثقة , تتخلى عن أحلامها وتستسلم لقناعات وهمية.
من أصعب التحديات التي يواجهها الشباب في مجتمعنا هي فرصة العمل الجيدة , فلا يكاد يمضي يوم واحد إلّا ويروي لي أحدهم مغامرة بائسة من سلسلة حكايات (البحث عن عمل) المضنية. ولا أريد هنا أن أطيل الكلام بقصص عن خريجي جامعات ومتخصصين ومهنيين وعمال وحرفيين و و و..... يخرجون شباك صيدهم من بحر عميق مليءٍ بالخيرات , فارغةً خاوية لا تحمل سوى همومهم وأوجاع قلوبهم..
لهذه البطالة المتزايدة أسباب كثيرة متداخلة , منها الأزمة الاقتصادية العامة والتخطيط الاقتصادي الفاشل كذلك الصراعات السياسية إضافة إلى سوء توزيع الثروة في البلاد وسيطرة أصحاب رؤوس الأموال وتحكمهم بالسوق حسب مصالحهم الخاصة وأيضاً عدم تطور القطاعات والمنشآت العامة بما يتناسب مع التزايد السكاني وما ينتج عنه من قلة الفرص المتاحة. ومن أكثر الأسباب وضوحاً في نظر الشباب المصطلح الشائع (فيتامين و)أي الواسطة وأسباب أخرى كثيرة... ولكن في كثير من الحالات يصبح العائق الأكبر أمام نجاحك هو أنت بالذات وهو ما أريد أن نتعمق فيه سوياً.....
جميع العوامل السابقة مؤثرات خارجية من الممكن أن يتعرض لها كل واحدٍ منّا في مراحل من حياته , وفي غمرة هذه المواجهات تكمن واحدة من أكبر التحديات أمام الإنسان وهي معرفة كيفية تفسير إخفاقاته!.
وهنا عليك أن تقف أمام ذاتك وتتساءل بشفافية وعمق .... أي نوع من الناس أنت...؟
هل أنت من المتشائمين أصحاب التفكير السلبي ؟ أم أنك شخص متفائل يفكر بإيجابية ؟
ولكي أجيب نفسي عن السؤال بحثت في بعض الدراسات النفسية , وكانت تجربة الباحث الأمريكي مارتن سيلغمان على كلب هي التحليل الأبسط للمشكلة , وتقول التجربة بأنه قيّد الكلب وعرضه لصدمات كهربائية متتالية مع رن جرس في الوقت ذاته , وفي مرحلة أخرى من التجربة فك قيد الكلب ورن الجرس فقط وطبعاً توقع الباحث أن يحاول الكلب الهرب ولكنه بقي ساكناً في مكانه باستسلام وكأنه مازال مقيداً ينتظر أن يتلقى الصدمات الكهربائية بخوف وألم رغم أنه حرّ بلا قيود .
إن طريقة التعامل مع الشدائد والصعوبات التي تواجهنا بكثرة وباستمرار في حياتنا اليومية تكوّن في أعماقنا مجموعة من القناعات التي تترسخ في داخلنا وتشكل النمط الحقيقي الذي سيُبنى عليه مستقبلنا.. فإما أن نتعامل مع الواقع بسلبية وإما أن نتعامل معه بإيجابية...
النمط الأول من التعامل (السلبي) مبنيّ على قناعة دعائمها الأساسية هي التجارب المؤلمة التي تحمل الفشل والإخفاق فتجد الفرد في كل موقف جديد من حياته يجترّ هذه الأفكار ويقيد ذاته بمراجع تقول :
"الوضع لن يتغير مهما فعلت!"
"لا جدوى مما أفعل وأنا ضعيف لا قدرة لي على الوصول!"
"الظروف أقوى مني وسأبقى خاسرا مهما حاولت !"
"لا فائدة من المحاولة فلا حظ لي!"
إنها قناعات مؤلمة , تجرّد ذاتنا من قوتها , تفقدها قيمتها الحقيقية , وتجعل النجاح عالماً خيالياً محرماً ...حتى السير في طريقه محرماً....إن هذا الارتباك النفسي الذي يعيق التكيف ويسبب الضيق وأحياناً يصل لمرحلة الاكتئاب يسمى "بالعجز المكتسب" .
العجز هو من العوامل البيئية المكتسبة التي يتعلمها الإنسان في حياته نتيجة تعرضه لصعوبات وعوائق كالّتي تحدثنا عنها في البداية أو مشاكل شخصية كالخلافات والخسارة وفقدان أحد المقربين ..... وغيرها ولا علاقة للعوامل الوراثية بهذه الأسباب , فلا يولد أي فرد منا وهو يحمل جينات العجز في شخصيته وإنما نتيجة استسلامه الكامل لقناعات عميقة بأن ما يفعله لن ينجح إضافة إلى عوامل تربوية أدت إلى استعداده النفسي لاستقبال تجارب الحياة بسلبية وتشاؤم .
نتائج الانغماس بهذا العجز المكتسب تبني الجدار الأضخم في طريق الإنسان حجراً حجراً , فتراه يتراجع أمام الفرص الجديدة ويخاف ألماَ جديداً أمام الفشل , أما احتمال النجاح هذه المرة فهو بعيد جداً , ولا قدرة على المواجهة . وفي سلوك العجز يصبح التأجيل هو السائد على جميع المواقف وهو أكثر ما عانيته أنا , تأجيل الاتصالات , تأجيل المقابلات , تأجيل الاستجابة و تأجيل الرد... وغيرها, فيتراجع اتخاذ القرار في الوقت المناسب وتفوت الفرصة ونصل إلى المثل الانكليزي ( التأجيل لص الزمن) . ومن الممكن أن يصل الأمر بمن يعاني العجز المكتسب إلى تهويل أي عمل فيجده يحتاج جهدا كبير حتى ولو كان بسيطا فالفشل يجعل أي جهد لديهم في منتهى الصعوبة . وعلى عكس المتفائلين في الحياة تجد العاجز المتشائم يستسلم ويظهر عجزه مباشرة أمام الصعوبات التي يتعرض لها في أي موقف ويبدأ بتحميل نفسه الأخطاء الخارجية دون أي تحليل أو برهان وهنا يكمن عمق المشكلة , فالشعور بالذنب والتأنيب الداخلي والندم على أمور ليس هو المسؤول عنهما يبدأ بتحطيم مناعته الشخصية ومعه يبدأ تقدير الذات بالانخفاض والتحقير ويفقد الثقة بها ويحتاج للآخرين للاعتماد عليهم وعلى أفكارهم وقيمهم ويتراجع نشاطه الفكري والجسدي وينعدم الإبداع في حياته.
إن التعرض لمشكلة والنظر إليها كأمر مستمر دائم سيصل بك إلى قناعة بأنك مهما حاولت لن تنجح لأن ما فعلته سابقا لم ينجح.
وللأسف هذا النمط من التفكير السلبي هو الأكثر شيوعا بين شبابنا الذين يواجهون ظروفا وتحديات مرهقة , والفئة الأكثر تدهورا من الشباب هؤلاء الذين يتخذون من تجارب غيرهم الفاشلة مثالا لحياتهم فتراهم عاجزون حتى قبل أن يحاولوا,لا يستغلون أي فرصة ليغيروا حالهم أو تجدهم يتكبرون على أداء عمل ما رغم أنهم عاطلين بلا عمل , بل و يفضلون قضاء أوقاتهم بمتابعة الدراما التركية وألعاب الكومبيوتر أو السهر في غرف الدردشة الالكترونية واللهو مع الشلة .... غارقين بالأوهام والخيالات غير مدركين بأن قطار الأيام سيفوتهم حتماُ .
والأقلية المتبقية من الشباب من يمتلكون طبيعة إيجابية , إنهم الشباب المفعمون بالحياة القادرين على استعادة مناعتهم النفسية بعد مواجهة الصعوبات , إنهم قادرون على تحليل الواقع بشكل منطقي وفهم الأسباب الحقيقية للفشل وهذا ما يساعدهم على التعايش مع المشاعر السلبية وعدم السماح لها بالتغلغل عميقا في ذاتهم لتؤثر على مسيرتهم فيدركون أن الحياة لا تنتهي عند هذا الفشل وبهذا لا يستسلمون ببساطة ولا يصابون بالعجز وهو تفكير ينعكس إيجابا على حياتهم العامة ويساعدهم على تجاوز الأزمات والبحث عن حلول وإيجاد فرص جديدة ومتابعة ما يطور قدراتهم المهنية أو المعرفية .
وبعد.... الحياة مستمرة , وطبعاً لك ولي فيها نصيب من السعادة والجمال , ولنا نصيب من المتاعب والتحديات , وهنا عليك أن تقبل التحدي بروحٍ قوية ومناعةٍ متجددة , فأنت من قلب الطبيعة والطبيعة بعد كلّ موت وسقوط تتجدد بأقوى عناصرها لتزهر وتنتصر في النهاية معطيةًَ ثمارها....
تعلّم أن تدرك جيدا ما بداخلك من قدرات ومواهب وربما كنزٌ مدفون , فلا تستسلم للعجز والتردد , وحاول أن تجعل من خبرتك المؤلمة دافعاًً لنيل الأفضل , لأنك تعلم أنك تستحق .
وكما ذكرت سابقا بأن العجز المكتسب هو صفة مكتسبة لذلك فالتفكير الإيجابي هو أيضا صفة تستطيع أن تكتسبها وتتعلمها , وبما أن العوامل التربوية لها الأولوية في بناء طريقة التفكير, فإن هذه المسؤولية تبدأ مع الأهل منذ الطفولة المبكرة فالمراهقة فالنضوج , لتكوين رأي الشخص عن ذاته وثقته بها , وهناك الكثير من الكتب والمراجع التي ترشد الآباء إلى الطرق الصحيحة في تحفيز أولادهم وتشجيعهم , وتربيتهم تربية نفسية صحيحة , وهو للأسف الجانب المهمل لدى الأغلبية , معتبرين بأن نجاح طفلهم الأكبر هو في درجاته المدرسية , ومسؤوليتهم الوحيدة هي الأكل واللباس و مصروفه اليومي والمادي وتأمين وسائل اللهو الأحدث.........!
( تعليق : أحب أن أعبر بأجمل المشاعر عن تقديري واحترامي لكل من فقد حاسة من حواسه أو عضوا من أعضائه ......ولم يستسلم .. بل تابع حياته .. وحقق نجاحا لم يستطع كثير من أصحاء الجسد الوصول إليه ...فكانوا مثالاً حقيقيا لانتصار الإرادة في أعماق الإنسان )
اريج ديب - 1/2/2010
التعليقات المطروحة لا تعبر عن رأي إدارة الموقع و إنما تعبر عن رأي كاتبيها
تعليقات
|
|