Saturday, Jan 9, 2010 6:11 PM -نسخة للطباعة |(1756) مشاهدة
المد الديني الأصولي
مثال المشتى!!
عدنان بدر حلو
-----------------------------
قبل أيام نقلت صحيفة "النهار" اللبنانية تصريحا للدكتورة بثينة شعبان حول انتشار المد الديني الأصولي في البلاد.. وقد نقل موقع "مشتاوي" التصريح..
الحقيقة إن هذا الوضع الذي تشير إليه السيدة المستشارة ليس جديدا ولا هو حكر على دين أو طائفة أو مذهب بعينه.. ويمكن البحث عن أسبابه وجذوره وتجلياته بطرق وصور عديدة.. لكننا نرى أن قراءة تجربة المشتى في هذا الخصوص (والمشتى نموذج حضاري وثقافي متقدم في بلادنا) تقدم صورة يمكن القياس عليها لفهم الظاهرة بشكلها الأوسع:
في منتصف الخمسينات كانت الحياة السياسية السورية في أوج ازدهارها وكان النشاط السياسي والثقافي في المشتى يشكل الشغل الشاغل لعموم شبابها وشاباتها، إذ كانوا جميعا منخرطين في أحزاب أو مناصرين لها.. كان هناك القوميون السوريون والشيوعيون والبعثيون.. وكان إلى جانب ذلك بعض النشاط الديني الحديث لواعظ أو واعظين بروتستانت لم يتجاوز تأثيره حدود التعاطف من قبل قلة منهم مطانيوس القاموع ونبيه الطنوس المتري وجميل الصباغ وجبرا المرشد الحلو. وشاب واحد هو الأخ ريان الحلو.
وكان ثمة أربع مدارس خاصة متوسطة وثانوية: ابن خلدون وحزور وعيون الوادي وكفرون سعادة. الأولى فيها نشاط شيوعي واسع والثانية للحزب السوري القومي أما العيون فكانت حيادية مع وجود نفوذ شيوعي فيها، في حين كانت الرابعة تابعة للكنيسة المارونية وكان فيها نشاط بعثي لا بأس به.
كما كان هناك ثلاثة مقاه هي: مقهى الياس الموسي ( محل فروج العكاري حاليا) ومقهى إيليا الواكيم (محل دكاكين المختار أسامة حلال) ومقهى حنا الندور إلى الغرب من الدلبة بجوار العين العتيقة. كان يرتادها بعض الرجال متقدمي السن ومحدودي العدد للعب الشدة والطاولة. ولم يكن واردا على الإطلاق دخول الشباب إليها!!
وكما هو الأمر الآن كان في المشتى كنيستان: التحتانية والفوقانية (مار الياس والسيدة) وكان هناك خوريان (الخوري بولس والخوري جبراييل).. وكان عدد المترددين على الكنيسة (باستثناء الأعياد والمناسبات الخاصة كالموت أو الزفاف) محدودا جدا ويقتصر على المسنين رجالا ونساء. وهو عدد كان يتناقص باستمرار.. وعندما توفي الخوري بولس لم يجدوا من يرسمونه بدلا منه.. فاستمر الخوري جبراييل بالخدمة وحيدا لفترة غير قصيرة، جرى في نهايتها إقناع الخوري عيسى بصعوبة أن يصير خوريا.. وقد شاعت آنذاك نكتة أطلقها المرحوم الياس العطا عندما تساءل البعض عما سيفعلون بالكنيسة في حال وفاة الخوري جبراييل وعدم وجود من يحل محله فقال الياس (وكان الاصطياف في بداياته) نقطعها غرفا ونؤجرها للمصطافين!!
فجأة اختلف الأمر مع قيام الوحدة وحل الأحزاب!!
كل الشباب الذين كانوا مشغولين بالنضال والتبشير الحزبي في القرى أصبحوا "قاعدين لا شغلة ولا عملة"!! فإذا بهم يتسربون إلى المقاهي التي راحت تتكاثر بسرعة، لقضاء أوقات فراغهم وراحوا يغرقون الواحد بعد الآخر في لعنة لعب القمار.
فتراجع النشاط السياسي بصورة كبيرة .. وتراجع معه النشاط الثقافي..
وهنا جاءت حركة الشبيبة الأرثوذكسية من لبنان لتجذب الجيل الجديد من الفتيان والفتيات وتملأ الفراع الذي خلفه انسحاب النشاط السياسي والثقافي من الساحة!!
هذه الحال يمكن تعميمها على سورية كلها .. بل على المنطقة برمتها، مضافا إليها أن ارتفاع أسعار النفط بعد حرب تشرين 1973 أتاح للبلدان العربية النفطية أن تنفق مليارات الدولارات للسيطرة على وسائل الإعلام وطبع وتوزيع الكتب الدينية وغيرها من كتب التراث لتملأ السوق بثقافة أخرى بديلة عن الثقافات التي كانت قائمة قبل ذلك، وللإنفاق على بناء المساجد وتمويل التنظيمات والجمعيات الدينية في كل مكان. وأكثر من ذلك راحت أنظمة الحكم الأخرى تدخل في حلبة السباق مع الدول النفطية في سباق بناء أماكن العبادة ونشر الفكر الديني..في حين راحت مؤسسات الثقافة الحديثة تتراجع وتتعرض للأزمات والإفلاسات واحدة بعد الأخرى..
هذا بالطبع إذا لم نتحدث عما تعرض له المثقفون والحزبيون (على اختلاف انتماءاتهم) من ضغوط جعلت منهم ومن مصائرهم ومصائر عائلاتهم دروسا قاسية لكل من تسول له نفسه السير في هذه الطرقات المحفوفة بكل أنواع المخاطر!! بينما اتباع الطرقات والسبل السهلة المتاحة يقود إلى المكاسب والمغريات بكل أصنافها!!
ويسألونك بعد ذلك كله عن سبب هيمنة الفكر الديني الأصولي على الساحة!!
عدنان بدر حلو – فرنسا
9/1/2010
التعليقات المطروحة لا تعبر عن رأي إدارة الموقع و إنما تعبر عن رأي كاتبيها