|
 |
... بقلم فرات جرجس- موقع مشتاوي

كأي نقاش يهدف إلى تبادل الآراء, خرج كلا الطرفان أشد اقتناعا بفكرته التي بدأ بها النقاش
فأنا ازددت اقتناعا و تصميما على أن أتقدم إلى مسابقة اختيار المرشدين الاجتماعيين... و التي سيتم تعيين الناجحين بها في المنطقة الشرقية حصرا....
أما مجادلي فقد أصبح على يقين بأني متهورة, تفتقر للنضج, و أني لا أدرك عواقب ما أنا مقدمة عليه, و سأدرك أي حماقة ارتكبت عندما لا ينفع الندم ,
و سأكون وقتها ملزمة بالبقاء خمس سنوات في بيئة لا تمت بصلة إلى البيئة التي اعتدت العيش بها, محاطة بأناس لا يشبهون بأي شكل من الأشكال الأشخاص الذين اعتدت مخالطتهم...
و ربما كان تطرف كلا الرأيين هو ما دفع كلانا للتمسك برأيه أكثر .... فقد اتخذت قرارا نهائيا بتقديم أوراقي في اليوم التالي للمشاركة في المسابقة..
و قبل أن اخلد للنوم في ذلك اليوم أخذت أفكر بما سأقوم به في حال تم تعييني في إحدى القرى النائية.... سأحاول أن أمنع فتاة واحدة على الأقل من ترك المدرسة و الزواج في سن صغيرة... سأعرف جميع الأطفال بحقوقهم... سأجعلهم يدركون أنه ليس من حق والديهم أو أساتذتهم أن يمارسوا ضدهم أي نوع من أنواع العنف... سأعلمهم كيف يستعينون بالشرطة ضد أي عنف أو تحرش يمارس بحقهم.... سنجلس سويا نقرأ القصص و نناقشها ... سأعلمهم أن يحبوا العلم و ألا يروه مجرد واجب أو عبء, إنما وسيلة لفهم العالم, بالإضافة لعيش حياة لائقة....
.........و قبلت في الوظيفة, و تم تعييني في قرية نائية بيوتها صغيرة الحجم قليلة العدد, بينما سكانها كثر.....
يجري في القرية نهر جميل, جلست على ضفته امسك كتابا... و جلس قربي أطفال يرتدون اللباس المدرسي لمختلف المراحل التعليمية, و كل منهم يمسك كتابا يقرأ به.... و شيئا فشيئا لم أعد أرى القرية بضجيجها و ازدحامها و عشوائيتها... و كأنها أخذت بالابتعاد, إلى أن عم هدوء شبه تام... و بقينا أنا و الأطفال نقرأ وحدنا... و النهر الجميل يجري قربنا بصمت و هدوء محترما هذه اللحظات الجميلة....
و لكن فجأة بدأ الأطفال يقفون واحدا تلو الآخر...مديرين ظهرهم لي... ثم أخذوا بالانصراف دون حتى أن يلتفتوا لتوديعي .... حاولت مناداتهم, و لكني نسيت أسماءهم جميعا... و بجهد استطعت أن أقف لأجد نفسي وحيدة تماما, حتى كتابي و النهر الجميل لم أعد أستطيع رؤيتهما.....
خفت كثيرا من الوحدة... فبدأت أركض دون هدف محدد لأجد نفسي أمام مدرسة تشبه إلى حد كبير مدرسة المشتى حيث تعلمت...فرحت , و توقعت أن أجد الأطفال بالداخل, فلا بد أن الدوام المدرسي قد بدأ... و لهذا فقد انصرفوا مسرعين
دخلت إلى المدرسة و إذ بحفلة المفاجآت لا تزال في بدايتها... فقد كانت المدرسة عبارة عن قاعة كبيرة خالية إلا من مقعد لطالب واحد.... و لا أثر فيها لأي حياة...شعرت بالخيبة فجلست إلى المقعد محاولة التقاط أنفاسي, و إذ بي أتنبه إلى أني أرتدي لباسا مدرسيا... فضحكت متسائلة عما كنت أفكر فيه عندما ارتديت هذه الملابس.... و فجأة قطع حبل أفكاري دخول الأطفال إلى الصف...و وقفوا يحدقون بي بعتب و سخرية , قائلين: عودي من حيث أتيت, لا نريدك بيننا....
لم أستطع أن ألفظ حرفا... فأخذوا بالاقتراب مني ببطء... و سمعت طفلا يقول: قبل أن تأتي كان أبي يضربني فأتألم من شدة الضرب, و بعد أن أتيت استمر أبي بضربي و لكن ألمي صار مضاعفا , فأنا الآن أتألم من الضرب بالإضافة إلى الألم الناتج عن شعوري بأن من حقي ألا أضرب
و قالت طفلة في حوالي الثانية عشر من عمرها: قبل أن تأتي كنت سعيدة لأني سأتزوج و سأنجب أطفالا يشبهون الأطفال الصغار الذين تنجبهم جارتنا... لكنك جئت و جعلتني أخاف من الزواج قبل عدة سنوات... و بكلا الحالتين أبي سيزوجني... فلماذا أتيت؟
ثم قال لي مراهق يلبس لباس المرحلة الثانوية: مذ كنت طفلا و أنا أحلم بأن أكبر لأصبح سائق شاحنة مثل زوج خالتي... و لكنك دمرت أحلامي لترسميها كما يحلو لك... و أنا الآن أحلم بأن أصبح طبيبا... فمن سيدفع تكاليف دراستي؟ هل ستتكفلين أنت بها؟ أم أنك مجرب بائعة كلام و مواعظ؟!
و استمر الجميع بالكلام و لكن قدرتي على سماعهم كانت تتضاءل و كأني أسقط في حفرة...
إلى أن عم الهدوء...... ثم سمعت صوتا لطيفا و مألوفا يسألني: اعترفي لماذا جئت إلى هنا؟
أردت أن أجيبه : لأني أحب هؤلاء الأولاد و أريد مساعدتهم.... لكن كلماتي كانت تموت في حلقي فلا أستطيع نطقها
فبدأ الأطفال بالضحك علي بصوت عالي.... و اقترب مني طفل صغير و امسك يدي و قال لي: أنا أعرف لماذا أتيت إلينا... و سأخبرك إنما كي لا تأتي مجددا.... لقد جئت إرضاء لغرورك, كي تشعري بقيمتك, و لكي تهربي من حالة البطالة التي تعيشين فيها.... فقد اعتدت دائما على الهرب... فهربت من واقعك إلى واقع أسوأ لتشعري بتفوقك... فإن كنت تؤمنين بالإصلاح حقا... لما لا تبدئين بمحيطك فأنت تعرفين أن مشكلاته أعقد من مشكلاتنا و أكثر تشعبا..... و إن أردتي رأيي... فابدئي بإصلاح نفسك أولا فأنت تحتاجين للمساعدة أكثر منا... واجهي مخاوفك, اعترفي بالحقيقة... قولي بأنك تشكين أن أفكارك صحيحة... قولي للجميع بأنك ترين لكل شيء وجهان... اعترفي بأنك لم تقتنعي بشيء قناعة تامة... و لم تؤمني بشيء إيمانا تاما....أقري بأنك فقدت الأمل بأن تفهمي الحياة ...
أردت أن أدافع عن نفسي أمام سيل الاتهامات التي انهالت علي... لكني لم استطع أن ألفظ أي كلمة ... و الأطفال يستمرون بدفعي و طردي... و بعد معاناة استطعت أن أصرخ... فاستيقظت لأجد نفسي في سريري, و أوراق المسابقة بجانبي.... فأمسكتهم أحدق بهم.... و أنا أبكي من الخوف لأول مرة منذ أن كنت طفلة صغيرة تخشى الظلام ....................
فرات جرجس
التعليقات المطروحة لا تعبر عن رأي إدارة الموقع و إنما تعبر عن رأي كاتبيها
تعليقات
|
|