|
| |
أهلاً و سهلاً بكم في مشتاوي |
أرسل
مقالتك أو موضوعك لنا لعرضها في الموقع
|
أخبرنا عن مشاركة مسيئة |
|
 |
|
 |
|
 |
مذكــرات مئـة ليـرة ... بقلم فرات جرجس- موقع مشتاوي

نعم .. أنا مئة ليرة ورقية .. من منكم لا يعرفني؟! امسحوا عن وجوهكم هذه النظرة المتفاجئة و استمعوا إلى قصتي لتدركوا أن من حقي ليس فقط كتابة مذكراتي و إنما نشرها أيضا...
أذكر يوم ولدت.. كنت سعيدة و متفائلة .. فخورة بألواني الزاهية و قوامي الممشوق الخالي من العيوب .. و كم قضينا أنا و صديقاتي وقتا طويلا و نحن متراصفات مستعدات نحلم باليوم الذي سنتحرر به و نبدأ بممارسة العمل الذي من أجله وجدنا......

و جاء اليوم المنتظر.. حيث أرسلت إلى أحد المصارف .. لأبدأ حياتي العملية بيد أول مالك لي .. و الذي علمت لاحقا بأنه يدعى بموظف الحكومة ... كنت متحمسة جدا و أنا أقفز إلى يديه عندما قبضني من جملة راتبه .. لكني و للأسف لم أر على وجهه نظرة التفاؤل التي توقعتها, بل على العكس من ذلك, فقد كان ينظر إلي و إلى زميلاتي بقرف ممزوج بالحزن و الهم...
مضى بنا هذا الرجل إلى العديد من الأماكن و في كل مكان كنا نتناقص شيئا فشيئا... و هنا لا أخفيكم سرا بأني شعرت قليلا بالدوار...حيث أنه وفي كل محطة من رحلتنا كان يعدنا مرة أو مرتين ثم يعيدنا إلى محفظته.. شاتما إيانا بصوت مسموع قائلا: ( الله يلعن أبو المصاري ما منلحق نقبض الراتب حتى يطير عالفواتير و الديون)... لكن هذا البائس.. ما أن دخل منزله محملا بالحاجيات حتى ارتدى وجه المنتصر السعيد .. فناول زوجته الأكياس بفخر ثم نادى على أبنائه ليعطيهم مصروفهم الشهري .. و قد كنت أنا من نصيب أصغرهم البالغ من العمر حوالي العشر سنوات ..
هنا في عيني مالكي الثاني رأيت النظرة التي توقعتها.. حيث نظر إلي بعينين يشع منهما التفاؤل و السعادة .. لدرجة شعرت معها بأن قيمتي عظيمة و أني إنما أعادل ثروة بالنسبة لهذا الصبي .. غير أن حماستي لم تدم طويلا حيث أطبق يده علي بشدة آلمتني و شوهت قوامي... ثم جرى بي إلي أقرب دكان, حيث استبدلني بالحلوى و الألعاب ... و بذلك انتقلت إلى يد مالكي الجديد الذي لم أمكث لديه أكثر من دقائق .. ليقدمني إلى زبون آخر جاء يشتري السجائر...
كان هذا الزبون شابا حسن المظهر و اللباس و حتى الرائحة .. إلا أني تفاجأت خلال مكوثي في جيبه من كونه خاليا إلا مني أنا و زميلة لي هي خمسون ليرة بالإضافة لجهاز موبايل حديث و علبة السجائر .. الأمر الذي جعلني أتساءل عن طريقة بعض البشر في إنفاق نقودهم .. و ما هي يا ترى أولوياتهم !.... باختصار , مضى بي هذا المالك الجديد إلى حديقة جميلة .. حيث التقى بفتاة .. و أقر لكم بأني استمتعت كثيرا و أنا استرق السمع لحديثهم عن الحب و الغرام .. إلى أن قطعه صوت صبي يقول للشاب: (خود وردة للوردة)... هنا لم يجد الشاب بدا من أن يمد يده إلى جيبه و يتلمسنا محاولا أن يختار بيننا دون أن ينظر.. فوقع اختياره على و سحبني .. و ما أن وقع نظره علي حتى امتقع لونه و حاول أن يعيدني ليستبدلني بالخمسين قبل أن تلاحظ الفتاة... لكن الأوان كان قد فات حين أدارت الشابة وجهها و لمحتني .. مما دفع بالشاب إلى تقديمي للصبي مقابل وردة حمراء قدمها لحبيبته....
أما مالكي الجديد و رغم أنه كان طفلا إلا أنني لم أر على وجهه سعادة مالكي الطفل الأول... فقد أمسكني بدون اهتمام و دسني في جيبه المليء بالنقود, الأمر الذي أدهشني ...حيث أن ثيابه الرثة و رائحته القذرة لم يوحيا لي بذلك...إلا أن مفاجأتي لم تدم طويلا .. فما أن عاد هذا الطفل إلى منزله في أحد الأحياء الفقيرة حتى استقبله رجل ضخم بالصياح و الشتائم آمرا إياه بأن يعطيه غلة اليوم.... فامتثل الطفل لأوامره, و أفرغ جيوبه... محاولا أن يحتفظ بي لنفسه... لكن و لسوء حظه أو ربما حظي .. كان جزء مني يتدلى خارج جيبه ليلاحظه الأب موجها صفعة قوية و ساحبا إياي بقوة آلمتني و مزقت حوافي... صائحا في وجه الصبي المسكين: (عم تسرقني يا ابن الكلب!!!)..... لا أذكر بأني كرهت مالكا لي بقدر كرهي لهذا... و ليته كان لي الحق برفض ملكيته لي... غير أنني و للأسف لست بموقع يؤهلني كي أقبل أو أرفض....
اصطحبني هذا الرجل إلى مكان لا يقل قذارة عن منزله يجتمع به عدد من الرجال يلعبون الورق .. ثم يفرغون جيوبهم من النقود ليأخذها احدهم ظانا نفسه فائزا... و هكذا فقد راهن بي مالكي و خسرني لتنتقل بذلك إلى رجل آخر... كان سعيدا جدا لفوزه فاحتفل بذلك بأن شرب زجاجة خمر... الأمر الذي جعله يترنح في مشيه...و لم يشعر بي أو يلاحظني عندما سقطت من جيب سترته ..لأقع على رصيف أحد الشوارع.... في تلك اللحظة شعرت بالحرية, حيث لم أكن ملكا لأحد...لا أني بعد مرور بعض الوقت شعرت بشيء من الوحشة ..و آلمتني أرجل المارة الذين داسوا على دون أن يلاحظوني.... إلى أن رآني شاب يبدو على وجهه اللطف و السماحة, فالتقطني و مضى بي إلى مكان سمعت فيه أصوات جميلة تناجي ربها بخشوع و عذوبة... بالإضافة لروائح عطرة , و شموع مضاءة.... هناك رماني ذلك الشاب خلسة في ثقب صندوق كتب عليه (إعانات) ..لأقع فوق مجموعة من الأوراق المالية التي تختلف بقيمتها... لكنها تتماثل في سعادتها.......... نعم, لقد كنا نقودا سعيدة... ألم يسبق لكم أن سمعتم عبارة: نقود سعيدة!!!
و الآن أنظر في جيبك أو في محفظتك.. فقد تجدني ضمن نقودك.. فإن وجدتني أرجو منك أن تنفقني في مكان مناسب .. فرغم أني وجدت لأمثل قيمة ما, إلا أنني أدركت خلال حياتي معكم بأن قيمتي الحقيقية إنما أنتم من يمنحني إياها...
فرات جرجس
مشتى الحلو - 11/5/2009
التعليقات المطروحة لا تعبر عن رأي إدارة الموقع و إنما تعبر عن رأي كاتبيها
تعليقات
|
|
 |
|
 | |
|