Friday, Apr 2, 2010 9:00 AM -نسخة للطباعة |(1853) مشاهدة
( من أرشيف الموقع 2009 )
وهيك بعد انتظار أتت أعياد الشعانين والفصح.. اللي إلها مكانة بقلب كل مشتاوي .. الشعنينة طبعا أقل بهجة من الفصح لأنو بهالعيد ما في خرجية .. الأولاد الصغار بهالعيد بيلبسوا التياب البيض والشعانين كانت بتتزين بأغصان الزيتون وبما توفر بهالفترة من ورود ...
بتمضى الشعنينة ومن يوم الأحد للخميس كنا نداوم عصلاة الختن منتظرين بفارغ الصبر قدوم صلاة الخميس , صلاة 12 انجيل .. وكل واحد بحوزته عدة خيطان وكل ما بينقرى إنجيل نربط عقدة وبكل سنة كنت أغلط بالعد ولا سنة طلع معي 12 عقدة .. تخلص الصلاة ونروح عال بيت وبراسي فكرة وحيدة شاغلي تفكيري عن وفاة السيد المسيح..وقلبي مليان حقد ع يهوذا الإسخريوطي الخان وسلمّ المسيح لليهود.. ووقت اللي كبرت هال أفكار تبدلت وصرت انظر للموضوع من وجهة نظر أخرى.
الجمعة الصبح كان ينتابني شعور حزن عميق ع موت المسيح وكنت أتناوئ من شباك الكنيسة على النعش المسجـّى على طاولة أمام الهيكل ومغطى بقماش ملون مطرّز , وكان بيتخيلي انو فعلا جسد المسيح موجود بكنيستنا بالنعش ..
صلاة الجنـّاز كانت من أجمل الصلوات وبتذكر كيف كانت الجوقة بقيادة المرحوم الأب خليل الحلو تنشد أجمل التراتيل وطبعا الي عندو راديو كان بمقدورو يتسمع على التراتيل في الإذاعات اللبنانية ..
وما بيروح عن مخيلتي دموع الخوري عيسى والتي كان يذرفها في هذه المناسبة بسخاء وخاصة عندما كان يقرأ الإنجيل ويصل الى "إكليل من الشوك "... حيث كانت الدموع تمنعه عن متابعة قراءة الإنجيل لدرجة خلت فيها بأن المسيح يمت له بصلة قرابة وطيدة .. وكنت انظر في بهو الكنيسة لأجد بعض النسوة تشاركه البكاء ..
بهالأعياد كل ولاد الضيعة المغتربين بيرجعوا عالمشتى ويتم لقاء الأحبة وطبعا أطفال اولاد المشتى المغتربين مو صعب تمييزهم عن أولاد المشتى فأولاد قريتنا نادرا ما بيلبسوا ربطات عنق او قمصان بيض مزخرفة بكشكش و بابيونات سود ساتان وكتير كانت تغرينا الفساتين القصيرة والكعوب العالية لأولاد الميسورين وخاصة القادمين من محطات النفط الثالثة والرابعة ومن الشام..
ومن أجمل الذكريات عندما كان يرفع النعش عند الباب وكنا نتسابق لنمرّ من تحته ولعدة مرات مقتنعين بأنه في كل مرة نحصل على بركة أكثر والكل كان يحاول الحصول على وردة كانت تزين النعش لعلها ستجلب البركة والخير لبيت صاحبها ..
وفي صباح السبت كانت رغبتنا في الهروب من المدرسة أقوى من صرامة الأستاذ ابراهيم الحلو والذي سنتذكر فضله علينا ما دمنا أحياء .. بعد عودتنا من المدرسة كنا نمر بخشوع من أمام الكنيسة
و نتجنب اللعب في دارها لكي لا نعكر صفو رقاد السيد ...
ومنذ القدم كانت الكنيسة تفتح أبوابها في الثانية عشرة ليتمكن الأهالي من قرع الأجراس لكن مؤخرا ظهرت رغبة عند الأولاد بقرع الأجراس قبل هذا الموعد مما لم يرق للعاملين في الكنيسة ..
ومن دون أن نأبه لتعاليم الكاهن كنا منذ الصباح نبدأ بالتخطيط للسطو على سطح الكنيسة لقرع الأجراس وهذه المهمة كان أسهل في كنيسة مار الياس كون السطح أقل ارتفاعا , أما في كنيسة السيدة كنا نستعين بسلـّم الكهرباء ... وكانت الأجراس تقرع حتى الساعة الثالثة صباحا موعد صلاة الهجمة المعتاد إلى أن أصبح هذا الموعد يتبدل وقفا على ظروف و مزاجيات مختلفة.. وفي ليلة الهجمة كان الأقارب يجتمعون حول موائد تزينها ابنة الكرمة فيشربون من خاباتها فرحاً وابتهاجاً وانتظاراً لقيامة المنتظر..
وفي مرة يا أحبائي كان سهران ببيت توفيق السليمان عدة رجال أذكر منهم حنا الأسعد وبهجت ووديع الخوري و جميل الصاروخ و والدي الله يرحم الغائبين منهم ... وبعد أن أخذت الخمرة منهم قرروا في الثانية عشرة أن يوقظوا الخوري عيسى ليقيم صلاة الهجمة في تلك اللحظة ففتح لهم الباب وتصنع بضبط النفس وقال :
- الله يمسيكون بالخير يا ولادي ... شو جايبكون هالأدّي بكـيّر ؟؟
- بدنا نبلش صلاة الهجمة هلأ يا أبونا ..
- يا أولادي المسيح ما بيقوم قبل الساعة الثالثة ..
فقال أحدهم :
- موع زوقك يا أبونا .. بدنا نقوّموا هلأ ..
- ولي إذا واحد واطي متلك بدو يقوّم المسيح .. جعل عمرو ما يقوم.. قوموا انقلعوا من هون يا اولاد الكلب ..
وفي ذاكرتي طرفة أخرى عن صلاة الهجمة و متل ما بيعرف الكل إنو جزء من الصلاة بيصير خارج الكنيسة وكان الخوري يطلب من الجميع إخلاء الكنيسة ويساعده مخول العيسي " طعمة" .. وفي مرة كان المرحوم زياد الأيوب بداخل الكنيسة ولقد وجه له خاله الخوري عيسى عدة ملاحظات لإلتزام الصمت .. وعندما خرج الجميع الى ساحة الكنيسة لم نكتشف أن زياد بقي مختبئا في الداخل..
بدأ الخوري عيسى بقراءة الإنجيل وعندما كان يهتف " المسيح قام " فيرد الكل من وراءه حقا قام ويقوم عندها عدة أشخاص بإطلاق النار من المسدسات و أذكر منهم المختار بديع جرجس عندما كان عسكريا و أبو رائد جرجس اللطفي و كان لديه مسدس البلدية وكانوا يحصلون على الطلقات من الياس الميخائيل الداود الذي يؤمن لهم الذخيرة من الجيش : المائة ضرب 9 مم براونينك ب 14 ليرة ثم ارتفعت الى 27 ليرة .
وبعد أن تهدأ الأمور ويصل الخوري في صلاته الى عبارة " افتحي أيتها الأبواب المقدسة " و كان مساعده مخول العيسى يركل الباب بقدميه بغفلة عن الجميع تاركا في نفوسنا انطباع بأن الأبواب تـُفتح بالقدرة الإلهية..لكن ما حدث في تلك المرة فإن الأبواب لم تستجب لصلوات الخوري عيسى ولا لركلات قدم مخول العيسي..
فبدأ الخوري عيسى يردد : افتحي أيتها الأبواب المقدسة.... افتحي أيتها الأبواب المقدسة .. لكن الأبواب بقت موصدة .. فضاق ذرع الخوري عيسى واستنتج داخل نجر الباب قد أوصد من الداخل فما كان منه إلا وأن صرخ بأعلى صوته :
افتح يا زياد الأبواب المقدسة.... وبعدها انجلت حقيقة أخرى والتي كنا صغاراً نعتبرها من العجائب ..
كنا دائما نحضر معنا إلى الهجمة بيض مسلوق ليتبارك بصلوات القيامة نأكل بعض منه في ساحة الكنيسة ونحتفظ ببعض منه للأهالي ومن دون مبالغة لبيض الفصح طعم خاص لا أدري السبب ؟؟ هل للقداسة دور أم لقشور البصل الدور الرئيسي ؟؟
وبالمناسبة كانت المفاقسة في البيض ركن من أركان عيد الفصح وتبدأ من أحد " رعنا " اي قبل أحد شعنا بأسبوع ( أي احد الشعانين ) وكان يحضر إلى المشتى الأولاد والشباب من كل القرى المجاورة وكان إخواننا العلويين إلى وقت ليس بعيد يعيدون معنا أعياد الميلاد والفصح .
يأتي صباح الأحد ونستيقظ باكرا لمعايدة الأقارب وذلك يبدأ بتقبيل الأيادي طمعا في الحصول على عيدية والتي كانت لا تتعدى الفرنك أو الفرنكين لقاء تقبيل كل يد وبعد المعايدة نذهب الى دار الكنيسة الفوقانية حيث البائعين يعرضون بضاعتهم على مقاعد خشبية وكانت عبارة عن أنصاف تنك مليئة بالحلاوة المسمسمية والمقرمشية والشوشية والسكرية .. وكان بحوزتهم مفقرعات فليّن ( نوع من الطين الأجري وبداخله مواد متفجرة , وفرد الفلين كان مصنوع من التنك مع مشخص حقيقي والذي لم يحالفه الحظ بشراء فردا كان يفجر الفلين بدعسة قوية من قدميه ..أما أولاد ميسوري الحال فكان يملكون فرد ارهاب حقيقي مع طلقات نحاسية أصلية .
وأخيرا ظهر الفرتيش بأنواعه المختلفة , وكان معظمه يشعل بسحبة على الكبريتة .. وحالما يبدأ الياس الجودات بالقرع على الجرس الصغير الذي يحمله شخصان بنغمة ما زالت مسجلة في مخيلتي الى هذه اللحظة ، تتحول الكنيسة الى ساحة تشبه ساحات الوغى وكثيرا ما كان هذا يثير عصبية الخوري عيسى ويؤدي الى حرق بنطال أو فسطان أو تنورة كثر انتظارهم ..
وفي مرة من المرات فجر حسان نديم خوري فرتيشة يدوية صنع يديه استهلك فيها 200 غرام من البوتاس و صرها بورق جرائد وعند تشعيلها في الكنيسة أدت إلى دوي اهتزت له الأوصال والثريات المعلـّقة كادت أن تهوى وبعد هادي العملي ما عرف حسان منين اجيتو الكفوف ...
وعى ذكر الفرتيش ,, أنا شخصيا الى هذا الوقت مغرم بالفرتيش .. وعندما كنت في صف الحادي عشر طلب مني والدي التوقف عن رمي الفرتيش او بالأحرى التقليل من ذلك .. لكني لم أصغ وبدأت برمي دزينات الفرتيش بالجملة وعندها أتى الى قربي وصاح بي بعد الضرب : في شي حدى غيرك وغير جورج الغصن عم يرمي فرتيش بشراهة يا ابن ال...؟؟
لقراءة الإنجيل في بوم العيد طابع خاص , إذ كان يقف الكاهن في باب الهيكل المتوسط و العم ميخائيل عيد في الباب الشمالي والأستاذ جميل فيليب خوري في الجنوبي وكانوا يتفننون في تلحين الآيات .. كنت دائما أتناوئ من باب الهيكل الوسطاني الى طاولة حجرية في وسط الهيكل و منذ نعومة أصابعي وأنا محتار عما كان يفعله الكاهن في الهيكل أمام تلك الطاولة و ظهره على المصلين وكان يقوم بحركات من الصعب فهم مغزاها أمام خزانة صغيرة على تلك الطاولة وفي أحد ليالي الهجمة قادني فضولي للدخول إلى الهيكل وتعرفت عن كثب وتذوقت ما كان بداخلها .
كثيرين من الأولاد كانت مغرمة بالمقامرة في العيد وذلك بالكروتة الصغيرة ذات الثلاثين رقما .. صباح.. نجاح .. كيتي.. لولا عبدة .. نعيمة.. فاتن .. وكانت المنطقة الواقعة تحت الشعب الغربي الجنوبي تمتلأ بالكروتة المستعملة.. وطبعا كانت المقبرة في دار الكنيسة وكنا نتجنب الجلوس او الدعس على أحدها احتراما للراقدين وأتذكر أنه كان يشد انتباهي قبراً زينت جدرانه بقطع من المرايا ..
يأتي اثنين البعوض ليعيد ذات الطقوس لكن مع شعور بالكأبة سببه اقتراب العيد من الإنتهاء ودنو موعد رحيل أطفال المغتربين و العودة القريبة الى المدرسة الذي كان يعكر صفو المزاج و يمحو من الذاكرة المتع التي حصلنا عليها في أيام العيد ..
وأستغلها مناسبة لأتقدم الى كل أهالي المشتى في الوطن والمهجر وإلى قراء مشتاوي الأعزاء بأحر التهاني والتمنيات بالصحة والعافية في هذا العيد المجيد.
د. نائل سلوم مشتى الحلو 18 نيسان 2009
التعليقات المطروحة لا تعبر عن رأي إدارة الموقع و إنما تعبر عن رأي كاتبيها