|
 |
"مطانيوس القاموع" من الغربة إلى الديار السماوية ... بقلم مجدي خوري- موقع مشتاوي

انتقل الأخ مطانيوس القاموع على رجاء القيامة والحياة الأبدية إلى فرح سيده . في 22 /3/2009 بعد أن عاش ما يقارب المئة عام , قضى أكثر من ستين عاماً منها مع الرب وبخدمته , كان ممتلئاً بالروح , وثمر الروح يظهر واضحاً جلياً في أقواله وأفعاله , كانت حياته شهادة حية صافية ومحبة صادقة لجميع الناس كما علمه سيده الرب يسوع المسيح , كان دوماً يرى منارة الرب وهو وسط بحر الحياة , تلطمه الأمواج الخفيفة أحياناً والعاتيه أحياناً أخرى , ولكنه كان يسمع صوت السيد الرب (( ثق أنا هو لا تخف )) .
أول معرفة شخصية لي معه كانت عام 1991 ولكن قبل ذلك كانت تلفت نظري تلك الابتسامة الهادئة الدائمة على محيّاه , وكنت أقول في نفسي ما سر هذا الرجل !! يجلس معظم الوقت في دكانه مبتسماً هادئاً ( دكانه الواقع قبل آخر طلعة الساحة على اليمين ) , وكلما دخل شخص ليشتري شيئاً ما يخبره عن خلاص المسيح ومحبته وسلامه .

أليس هذا الإنسان يعيش وحيداً ! لم يرزقه الله أولاداً وزوجته متوفاة ( توفيت عام 1979 ) ويعيش في منزل متواضعٍ لوحده في أحسن الأحوال ! إذا لم يكن مكتئباً أو محبطاً لا يكون مبتسماً طوال الوقت , ويعيش حياة عادية .
ولكن الأخ مطانيوس لم تكن حياته عادية أبداً , قلائل جداً المؤمنون الذين يعيشون كل الوقت حالة سلام وفرح داخلي ونصرة رغم تجارب الحياة وظروفها الصعبة القاسية , والتي نال الأخ مطانيوس نصيباً كبيراً منها .
سألته ذات يوم : يا أخ مطانيوس : أراك دوماً مبتسماً تعيش ببساطه وهدوء , لا تملك جهاز تلفاز ولا هاتف , لا تتزمر ولا تشتكي من أي شيء رغم ظروفك الصعبة , وحياة الوحدة القاسية التي تعيشها .
قال لي : (( ليكن فرحكم كاملاً , لا احد ينزع فرحكم منكم )) مستنداً إلى كلمة الله التي كانت مع الصلاة غذاءه اليومي , وتابع قائلاً : يا أخ مجدي الرب يسوع غيّر حياتي منذ عام 1948 وهو اله حي يعطي الفرح ويعطي السلام , ويعطي القوة بروحه القدوس حتى نهاية الرحلة , وأنا اختبرته في حياتي كثيراً , فالرب صالح وإلى الأبد رحمته . وأمانته ليست لها علاقة بأمانتنا معه , والرب يقرع أبواب قلوبنا قلوبنا جميعاً , أحياناً بصوت منخفض رقيق وأحياناً بصوت عالٍ قوي , والخيار لنا أن نفتح له أو لا نفتح , وعندما نفتح ويملك على قلوبنا يتغير كل شيء نحو الأفضل , خذ مثلاً ( خيّك ) مطانيوس عندما غيّرت نعمة الله حياتي شعرت بسلام داخلي وفرح عجيب وأيقنت بعدها كم حررني الرب من كثير من القيود والخطايا التي لم أكن استحي بذكرها بعد ذلك بعد أن غُفِرت وسُتِرت بدم المسيح .
في البداية عندما كنت أخبر الناس كيف غيّر الرب حياتي كانوا يقولون لي : ماذا تغيّر فيك يا مطانيوس ؟ كلّ عمرك رجل آدمي . فقلت لهم : آدمي بنظركم شيء , وأدمي بنظر الله شيء آخر , فكل إنسان يعلم إذا كان آدمي بنظر الله أو لا , وعلى كل حال من الآن فصاعداً سوف تشترون الكاز من عندي غير مخلوط بالماء . ( لأنه كان يبيع الكاز في دكانه منذ زمان بعيد لاستعماله في البوابير والقناديل ) .
ما قاله الأخ مطانيوس للناس قديماً ليثبت لهم أن الرب غيّر حياته يقوله اليوم المرنم أيمن كفروني ( الذي كان مطرباً معروفاً ربما غير مشهور ) للناس وعلى شاشة التلفزيون بأن الرب يسوع حرره من القمار وزجاجة وسكي وثلاث علب دخان كل يوم , ومن عشر سنوات من الإدمان على المخدرات , وسيرة القديسين الذين تغيرت حياتهم في الماضي والحاضر تشهد دوماً على عمل نعمة الله والتي ما زالت تغيّر .
في أحد الايام قلت له يا أخ مطانيوس ماذا تكلمت مع الرب بعد وفاة زوجتك وهي تجربة صعبة وقاسية عليك لأنك أصبحت وحيداً؟ قال : فعلاً كانت تجربة قاسية وصعبة لأنها حدثت فجأة إذ سقطت زوجتي على رأسها وحدث معها نزف دماغي وتوفيت بعد ذلك بعدة أيام . في تلك الليلة ركعت أمام الرب وقلت له : يا رب إنني في ضيق وألم كبيرين ولكنني أثق بتعزيتك وعنايتك بي , وفعلاً عزاني الرب وأعانني ولولاه لما كنت اتحدث معك الآن .
الأخ مطانيوس كان يعيش مؤمناً ومصدقاً كل وعود الرب , وعندما سألته : ما قصت الأخ ضرغام معك ؟ قال : الرب ... ألم يقل الرب (( لا أهملك ولا أتركك عيني عليك )) .
الرب يسوع لم يتركه حتى آخر لحظة في حياته ولقد ألزَمَ جيرانه وغيرهم ليعتنوا به ويخدموه , وبعض الخدمات كانت صعبة جداً خاصة في أواخر أيام حياته , وكان الجميع يقومون بذلك بكل طيبة ورحابة صدر , فالأخ ضرغام من الكفرون واحد من الناس الذين ألزمهم الرب وكان إلزام الرب له مميزاً , إذ كان يتردد على الأخ مطانيوس في فترات متباعدة , وفي أحد الأيام عند الأخ مطانيوس سمع صوتاً واضحاً يقول : ( لا تتركه ... لا تتركه ) فقال في نفسه : كما تريد يا رب , ومنذ ذلك الوقت خصص له يومين من الأسبوع خميس وأحد وعلى مدار سنين طويلة لخدمته وحتى آخر يوم في حياته .
في إحدى المرات دخلت لعند الأخ مطانيوس وكان الأخ ضرغام يجلس على الأرض واضعاً مئزراً على ساقيه محتضناً ساقي الأخ مطانيوس ليقص له أظفار قدميه كأبن حنون له , بعد أن حممه بالماء الساخن المطيّب بالغار . ثم حلق له ذقنه ووضع عليه خلطة من زجاجة فيها ( اسبيرتو وكلونيا ) ثم قبل يده وجبينه وقال له : من أين أرسلك الله لي !؟
عندما قال الناس للأخ ضرغام بعد انتقال الأخ مطانيوس . الله يآجرك ... أجابهم : ليس لي فضل فأنا أخذت بركه منه .
فعلاً كل الذين ألزمهم الرب بخدمة الأخ مطانيوس كان ذلك سبب بركه وفائدة لهم .
في أيام الأعياد كنت اسأله : كيف كانت سهرة العيد معك ؟ فيجيب : كانت سهرتي مع الرب , وليست سهرة العيد فقط . بل يجب علينا يا أخ مجدي كمسيحيين أن لا نعيّد يومين في السنة فقط بل نعيش ونتمتع بفرح الميلاد وقوة القيامة كل الأيام والسنين التي يعطينا أياها رب المجد .
فعلاً يا أخ مطانيوس بأيمانك القوي الراسخ والثابت رغم ظروفك الصعبة والقاسية جداً جداً جعلتني أخجل من ضعف أيماني رغم نعم الله وبركاته الكثيرة علي .
أرجو من الله وأصلّي له أن يمنح جميع الناس السلام والفرح والصحة ويمنح التعزية لكل القلوب الحزينة والمكسورة والشفاء لكل المرضى , وإلى الأحباء المغتربين أن يحقق لهم جميع أمنياتهم وآمالهم بالعودة إلى الوطن ولقاء الأهل والأحبة والأصدقاء .
أعاننا الله جميعاً كي نستفيد من غنى رب المجد لأن (( يسوع المسيح هو هو أمساً واليوم وإلى الأبد ))
مجدي خوري – مشتى الحلو
7/4/2009
التعليقات المطروحة لا تعبر عن رأي إدارة الموقع و إنما تعبر عن رأي كاتبيها
تعليقات
|
|