Saturday, Feb 21, 2009 10:05 PM -نسخة للطباعة |(3089) مشاهدة
كثيرة هي الأمور التي نمر عليها مرور الكرام في حياتنا دون أن نعيرها أدنى التفات أو اهتمام طالما لا تعنينا .. وهناك معالم كثيرة في منطقتنا لم يخطر ببالي وببال الكثيرين أن يتساءلوا عن ماهيتها مع إننا نمر بجانبها أحيانا . ومثال عليها الطواحين وبالأصح الطواحين المائية التي بدأ اهتمامي بها حين حضرت ندوة في المركز الثقافي في المشتى وحاضر بها الدكتور جورج حنو ش من المشتى والسيد بسام القحط من صافيتا مشكورين عن تاريخ المشتى وجوارها وما
كان قائما بها من تجارة وصناعة تقريبا من بدايات القرن الماضي وحتى حوالي الستينيات منه حيث تم ذكر هذه الطواحين ,وعلى أثرها قررت أن استدل على بعض منها والتي لازالت معالمها قائمة لغاية اليوم ولهذا بدأت اسأل القدامى الذين عاصروا هذه الطواحين وعن طريق الدلالة استدليت على عدد منها وهنا بدأت المغامرة الفعلية في البحث عنها .
وإذا أردنا أن نفهم ماهية هذه الطواحين المائية وطريقة عملها فيجب القول انه حين لم تكن هناك آلات تدار بواسطة الكهرباء أو الوقود فإن الإنسان على مبدأ الحاجة أم الاختراع قد بنى الطواحين لإنتاج الطحين و البرغل والتي تعمل بقوة الماء الذي كان متوفرا بكثرة في ذلك الوقت , ولهذا فقد بنيت الطواحين على جوانب الأنهار .
وتتكون من جب بقطر حوالي المتر وعمق من أربعة إلى خمسة أمتار يتم تحويل جزء من المياه الجارية في النهر إليه عن طريق ساقية عريضة
بعد أن يتم حصر الماء وتجميعه ضمن سد صغير يعرف باسم السكر لتصب فيه بحيث يمتلئ الجب إلى أعلاه بالماء ويكون في أسفله فتحة صغيرة ليخرج منها الماء مضغوطا بتأثير ثقله بسبب ارتفاع الجب ليصطدم بعنفة خشبية على شكل الناعورة ولكنها أفقية وفي وسطها محور معدني يرتفع إلى الأعلى ليخترق الغرفة التي تعلوه والتي يتوضع على أرضها حجر الطاحون الثابت على ارض الغرفة , وهو مفرغ من الوسط ليمر ضمنه المحور المعدني ويكون مستديرا وكبيرا وبقطر لا يقل عن المتر
ويعلوه حجر الطاحون الثاني المتحرك الذي يخترقه المحور المعدني نفسه ويحركه بتأثير ضغط الماء ويكون في أعلاه فتحة ليوضع فيها القمح ويدخل مابين الحجرين وكما كانت المسافة بين الحجر الثابت والمتحرك قليلة يخرج القمح على شكل طحين من على جوانب الحجر الثابت أما إذا كان المطلوب البرغل فإن القمح الذي يكون أصحابه قد قاموا بسلقه ثم تجفيفه في الشمس قبل فترة فإنه يعاد نقعه في الماء وتزاد المسافة بين الحجرين قليلا ليخرج منها البرغل الذي كان المونة الأساسية والوجبة الرئيسية في ذلك الوقت لأغلب الأهالي , والبرغل الناتج بهذه الطريقة يكون خليطا من الأجزاء يسمى الكبير جدا منها الحرابة ثم يأتي البرغل الخشن ومن ثم الناعم أما الجزء الناعم جدا فيسمى الفريفيرة ويتم فصل هذه الأجزاء عن بعضها في البيوت وبالطريقة اليدوية ولكل جزء منها الأكلات التي تناسبه .
وهذه الأمور عرفتها من شرح بعض الناس والمعاينة الفعلية لما تبقى من هذه الطواحين . وما تسمية مقهى الطواحين في مشتى التحتاني إلا بسبب الطواحين المتواجدة بها والتي لازال الماء يجري في السواقي المؤدية إليها .
أما الجزء الأكبر من هذه الطواحين فقد جف الماء في سواقيه حيث تراكمت الأتربة حتى سدتها كما في الطاحونة التي بجانب نبع العروس أما عند جسر بيت عواد فكانت طاحونة احمد إدريس التي تهدمت ونمت عليها النباتات المتسلقة والشجيرات التي تمنعك من الوصول إليها .. أما الطاحون التي حافظت على شكل البرج الذي يحوي الجب ومن تحتها الغرفة التي فيها حجر الرحى فهي في قرية المهيري على النهر بين الحارتين .
واكبر هذه الطواحين والتي لم يتبق منها سوى الساقية الطويلة التي رفعت على جدار على شكل أقواس وبطول حوالي المائة متر فهي طاحون بولس في قرية مجيدل ولازال الجدار الحامل لها قائما لغاية اليوم .
وأكثر هذه الطواحين المتبقية جودة في الصناعة والبناء فهي طاحون حنا وهي موجودة على النهر عند سفح جبل السيدة مقابل قرية الحفة وباتجاه وادي المجاور إذ أن الغرفة التي كان يتم فيها الطحن لازالت قائمة ومسقوفة وهذه الطاحون لها جبان احدهما يستعمل لطحن القمح والآخر يستفاد منه في طحن وعصر الزيتون لاستخلاص الزيت وذلك عن طريق مسننات لتحويل الحركة وضاغط لكبس الخوص التي تحوي عجينة الزيتون وكل ذلك بفعل ضغط الماء ولازالت أدوات عصر الزيتون موجودة ضمن الغرفة .
هذه فكرة بسيطة وموجزة عن هذه الطواحين المنسية التي كانت في فترة ما مزدهرة وهنا لابد بعد أن استعرضنا بعضا منها وآلية عملها أن نعرج على الإنسان الذي هو أساس بنائها وعملها فكان المتعارف عليه أن يقوم أصحاب الأرض لوحدهم أو بالتعاون مع آخرين ببناء هذه الطواحين التي كانت تكلف جهدا ومالا حيث يكون لكل من ساهم بالأرض أو البناء أسهم فيها يستفيد من عملها والأجرة التي يتم تحصيلها والذي كان يميز طاحونة عن أخرى هو كرم أصحابها في استقبال الوافدين إليها وإطعامهم أحيانا وتأمين منامة للقادمين من المناطق البعيدة نسبيا إذ انه بسبب عدم وجود طواحين في القرى المجاورة للمشتى والكفرون نظر لعدم وجود مجاري انهار دائمة الجريان كما في نبع العروس ونبع الشيخ حسن فقد كان سكان القرى المجاورة يحملون غلتهم من القمح على ظهور الدواب ويقضون وقتا طويلا ليصلو ا إلى الطاحون كما أن عملية الطحن بتلك الطريقة البدائية كان يتطلب وقتا طويلا مما يضطرهم للسهر والمبيت أحيانا ريثما يأتي دور أحدهم وهنا يأتي دور القائم بعمل الطاحون وكان يسمى جليس الطاحون وكان يتواجد على مدار الساعة في الطاحون لذلك كان يتم اختياره من الأشخاص الذين ليس لديهم عمل وفقير نسبيا وأن يكون صاحب نكتة ومحدث ومتحمل للمزاح الثقيل وذو بنية قوية ليتمكن من القيام بهذا العمل المجهد .
وبشكل عام كانت الساحة التي أمام المطحنة بطبيعة الحال ذات مناظر جميلة بسبب أحاطتها بالأشجار والظل والماء المتدفق حيث كان يحلو للجميع بانتظار قدوم دورهم أن يقوموا بالتسلية وبرواية القصص والأحاديث والهموم التي تجمع بينهم وطبعا كان كل منهم يأتي بزوادته التي كانت في أغلب الأحيان قرص شنكليش مع خبز التنور وكان بعض أصحاب المطاحن يزرع البندورة بجانبها ليتمكن هؤلاء من أكلها مع زوادتهم .
كما أنه كان يتم تحديد يوم عطلة للمطحنة ليتم تحويل كامل الماء الجاري في الساقية لري المزروعات فيه بدلا من تحويله للنهر وليصار إلى صيانة حجر الطاحون من قبل شخص مختص لإعادة تخشينه وبما أن القمح ومنتجاته كانت من أساسيات حياة الإنسان فقد اهتم به الكتاب وأفردوا له الصفحات بكل ما يتعلق به من عادات خلال مراحل زراعته وحتى حصاده وتغنى به الشعراء والفنانون وهاهي العظيمة فيروز تجسد أهمية الطواحين في حياة ذلك الإنسان وما أغنيتها
إلا تعبير عن هذه الأهمية .
وها أنا اقف أمام هذه الطواحين وضجيج الرجال وحجر الطاحون يملأ سمعي وإذ رويدا رويدا يحل الهدوء فلم يعد يسمع سوى زقزقة العصافير وفيروز تكمل أغنيتها قائلة