Wednesday, Feb 4, 2009 7:35 PM -نسخة للطباعة |(1983) مشاهدة
تميزت المشتى و القرى المحيطة بها بمياهها العذبة وينابيعها التي لا تنضب صيفاً ولا شتاءً أسوة بأغلب قرى المناطق الجبلية في بلدنا الحبيب........ هكذا كان الحال منذ سنين خلت حين كانت المياه المتدفقة من ينابيع المنطقة غزيرة و تجري ضمن مجاري الأنهار على مدار العام حيث كان يستفاد منها في سقاية المزروعات و خاصة الأشجار المثمرة
حيث تتوزع مياه الينابيع ضمن شبكة من السواقي تمر ضمن القرى و البساتين و لا زال أغلب السواقي قائماً لغاية الآن رغم أن المياه قد شحت كثيراً حيث وصلت الأمور إلى جفاف معظم المجاري المائية صيفاً و هذا بسبب عوامل متعددة لا داعي لذكرها الآن .و بناء على هذا الواقع فقد كان يستفاد من مجاري الأنهار في السباحة أيضاً إذ أنه في تلك الفترة لم تكن هناك مسابح نظامية و لا هذا الانفتاح الذي نعيشه حالياً و الذي غيّر من أسلوب معيشتنا و خاصة بالنسبة للشباب و الأطفال الذين كانوا في تلك الفترة يحاولون تعبئة أوقات فراغهم صيفاً بأنشطة جسدية متعددة و من أهمها السباحة و كان ذلك يتم في الغبابيط والتي هي جمع لكلمة غبيط و هو عملياً المكان الواسع و العميق نسبياً ضمن مجاري الأنهار و الذي يصلح للسباحة و الذي كانت مياهه نظيفة لم تحول عليها مجاري الصرف الصحي أو فضلات المقاهي بعد.
و كان أغلب الشباب يقضون سحابة نهارهم في الغبابيط و هم يسبحون فإذا جاعوا التقطوا ثمرة من هنا أو هناك إذ كانت البساتين عامرة بأشجار الفواكه و في المقابل كان الأهل مرتاحين لقضاء أبنائهم هذا الوقت بعيداً عن المنزل......
و إذا عدنا بالذاكرة لأهم الغبابيط التي كانت تمارس فيها السباحة فهي:
في المشتى كان الغبيط الأكثر شهرة هو غبيط أم حدو و يقع أعلى مقصف رأس النبع حالياً و كان الأكثر ازدحاماً طوال فترة الصيف بسبب وجوده في مركز القرية
و على نفس مجرى النهر كان هناك غبيط الجرفة و يقع بجانب محطة ضخ ماء المشتى القديمة في بيت سركيس يليه غبيط البغلة و يقع ضمن مقهى الخوري حالياً و بعد ذلك يأتي غبيط الجسر و يقع مقابل مقصف نبع الجسر أما أكبر غبابيط المنطقة و أكثرها شهرة فكان غبيط الارمة الواسع و العميق و يقع شمال بيت عواد على مجرى النهر و لم نكن نجد أي صعوبة في الذهاب إليه سيراً على الأقدام و السباحة طوال النهار و العودة أيضاً سيراً على الأقدام مع أن المسافة لا بأس بها.
أما في قرية المهيري فقد كان هناك غبيط نبع البلاط و يقع أعلى الجسر الواصل بين الحارتين بمسافة لا بأس بها يليه في الوادي بين الحارتين أيضاً غبيط حوا و بعده غبيط صغير غير عميق كان يخصص للأطفال الذين يتعلمون السباحة حديثاً كي لا يكون ذو خطر عليهم و هو غبيط النصبات .
و إذا استمرينا في النزول على نفس مجرى النهر يأتي غبيط الكلش و يقع فوق نبع الشير و على نفس المسار و في الوادي المقابل لكفرون سعادة كان غبيط أم عدلى.
و إذا اتجهنا باتجاه نبع الشيخ حسن فعلى بعد حوالي مائتي متر من المنبع كان هناك غبيط الجعفورة و يتميز بالمياه شديدة البرودة كونه قريب من رأس النبع .
و عند ملتقى النهرين و في نهاية القعدات الشعبية التي لم تكن موجودة حينذاك باتجاه الغرب قليلاً كان هناك غبيط الطويل التي كانت تنتصب فوقه شجرة دلب لها جذع مائل فوق الغبيط حيث كنا نصعد إليها و نلقي بأنفسنا في الماء .
و إذا انتقلنا باتجاه قرية جنين فهناك غبيط الدخن الذي يقع أسفل نبع حمزة بحوالي مائة متر .
هذه هي غبابيط المنطقة و أكثرها شهرة و بناء عليه فقد قررت بعد مرور هذه الأعوام الكثيرة أن أعاود زيارة بعض هذه الغبابيط للإطلاع على حالها و ما آلت إليه ...... و يا ليتني ما فعلت ذلك و تركت ذكراها الجميلة في نفسي فبعضها قد تشوه بفعل الزمان حيث تراكمت الصخور و الأتربة المنجرفة والأغصان المتكسرة نتيجة السيول المتكررة شتاء وأغلبها لم استطع الوصول إليها بسبب نمو الشجيرات والنباتات المتسلقة والأشواك بحيث شكلت حاجزا من الصعوبة اختراقه وبعضها أصبح مصبا وللأسف لمجارير بعض القرى وحين رأيت ذلك المنظر أصابني الذهول فبعد أن كانت المياه رقراقة صافية أصبحت بهذا المنظر القبيح حينذاك لمت نفسي على محاولتي القيام بهذه الجولة وعلى عدم ترك تلك الذكريات الجميلة معششة في النفس بدلا من أذيتها بهذه المناظر والتي أدرك تماما ما تعنيه تلك الذكريات لكل الذين عاصروا تلك الفترة والذين قضوا جزءا لا بأس به من طفولتهم وشبابهم يمارسون السباحة في تلك الغبابيط.
فحزنت كثيرا وقررت ترك الغبابيط ترتاح في ذاكرة من أحبوها.
وأخيراً أرجو وأتمنى من زوار هذا الموقع الجميل ممن يملكون معلومات وذكريات عن الغاببيط أن يضيفوها على هذا المقال , فمؤكد أن ذاكرة أبناء المشتى وخصوصاً المغتربين غنية بمثل هذه الذكريات المحببة .
هيثم حداد – مشتى الحلو 4/2/2009
التعليقات المطروحة لا تعبر عن رأي إدارة الموقع و إنما تعبر عن رأي كاتبيها